أثار اكتشاف مادة ضارة فى «عصير القصب»، المشروب الشعبى الأول لدى المصريين، موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعى، وسط حالة من الصدمة والقلق بين المواطنين الذين اعتادوا تناوله كـ«مشروب الصيف الأساسى». القصة بدأت مع حملة شنها مجلس مدينة طوخ بمحافظة القليوبية على الأسواق ضبطت كميات من مادة ثانى أكسيد التيتانيوم تُستخدم فى بعض محال العصير لتبييض القصب والحفاظ على لونه لفترة أطول، ما أثار حالة من الفزع بين المواطنين.ووفقًا لما أعلنته الحملة، فقد تم العثور على ٤ عبوات تحتوى على نحو ٤ كيلوجرامات من المادة، إضافة إلى ١٠ كيلوجرامات أخرى داخل أكياس، ليصل الإجمالى إلى ١٤ كيلوجرامًا من هذه المادة التى يُثار حولها جدل علمى بشأن خطورتها على الصحة العامة عند التعرض لها بشكل متكرر. فى هذا التحقيق، تسعى «الدستور» إلى كشف حقيقة مادة ثانى أكسيد التيتانيوم، ومدى تأثيرها على صحة المواطنين، من خلال آراء الأطباء والمتخصصين، إضافة إلى توضيح كيفية التفرقة بين العصير الطبيعى والمغشوش، حماية للمستهلك وحقه فى مشروب آمن.
استشارى تغذية علاجية: العصير المغشوش لونه فاتح يميل للأبيض كأنه ممزوج باللبن
كشفت الدكتورة مروة شعير، استشارى التغذية العلاجية وعلوم الأطعمة، عن أن مادة ثانى أكسيد التيتانيوم «E171» تُستخدم كصبغة بيضاء لإضفاء اللون واللمعان على الأطعمة والمشروبات، ومن بينها عصير القصب.
وأوضحت «مروة» أن هذه المادة أثارت جدلًا عالميًا، إذ حظرها الاتحاد الأوروبى منذ عام ٢٠٢٢ بسبب مخاوف تتعلق بسلامتها، بينما ما زالت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية وعدد من الدول الأخرى يسمحان باستخدامها ضمن نسب ومعايير محددة.
وأضافت أن الهدف من استخدامها فى عصير القصب، الحفاظ على لونه الأبيض الناصع وثباته فترة أطول بعد العصر، لكنها شددت على أن العصير الطبيعى لا يكون أبيض كما يظن البعض، بل يميل إلى الأخضر الداكن مع مسحة من الاسمرار، ويُظهر فور عصره طبقة من الرغوة الطبيعية ورائحة مميزة تعكس طزاجته، مؤكدة أن تغيّر اللون تدريجيًا إلى درجات أغمق أمر طبيعى ناتج عن الأكسدة، ولا يدل على أى غش.
وبيّنت أن العصير المغشوش يمكن تمييزه بسهولة، فلونه فاتح بشكل غير طبيعى يميل إلى الأبيض وكأنه ممزوج باللبن، ويظل ثابتًا فترات طويلة دون تغيّر، وطعمه أقرب إلى ماء مُحلّى بالسكر مع فقدان النكهة والرائحة المميزتين، فضلًا عن ظهور رواسب فى قاع الكوب.
ونصحت بتجنب شرب العصير المخزن أو المعصور مسبقًا، مؤكدة أن مادة ثانى أكسيد التيتانيوم تُصنف ضمن المواد المسرطنة عند تناولها بكميات كبيرة أو بشكل متكرر، وقد تؤثر على البكتيريا النافعة فى الأمعاء وتسبب تغيّرات جينية وخلوية خطيرة، ما يجعل استخدامها غير المنضبط تهديدًا مباشرًا لصحة الإنسان.
طبيب سموم: المادة المستخدمة تسبب التهابات فى الأمعاء
عن التأثيرات الصحية والوضع التنظيمى لثانى أكسيد التيتانيوم، قالت الدكتورة نهاد حامد جاد، مدرس الطب الشرعى والسموم الإكلينيكية، إن التعرض المزمن له يؤدى لالتهابات الأمعاء، والسمية الجينية وتلف الحمض النووى، بالإضافة إلى احتمالية الإصابة بسمية تنموية، مبينة أنه نظرًا لهذه المخاوف الصحية، فرض الاتحاد الأوروبى حظرًا كاملًا على استخدامه فى كل المنتجات الغذائية فى عام ٢٠٢٢.
وأوضحت «نهاد» أنه من ضمن الأضرار الأساسية تلف الأمعاء، حيث يمكن لجسيمات E171 النانوية أن تخترق جدارها وتتسبب فى حدوث التهاب موضعى، وربط تناولها على المدى الطويل بزيادة خطر الإصابة بالتهابات الأمعاء المزمنة، وتحفيز ظهور الآفات السرطانية فى القولون والمستقيم. وكشفت عن أن الخطورة الأساسية لمادة ثانى أكسيد التيتانيوم تكمن فى التعرض المزمن والمستمر لها، خاصة مع مشروبات أساسية مثل عصير القصب، حيث تؤدى إلى تراكمها فى الجسم والأعضاء وتأثيرها المباشر على الجينات، فضلًا عن انتقالها عبر المشيمة إلى الأجنة، موضحًا أن الخطر الأكبر لـE171 يتمثل فى قدرته على إحداث ما يُعرف بالسمية الجينية «Genotoxicity».
«حماية المستهلك»: تكثيف الرقابة لحماية صحة المواطنين
بعد الحملة التى نفذها رئيس مركز ومدينة طوخ بمشاركة أجهزة حماية المستهلك وسلامة الغذاء والتموين، وأسفرت عن ضبط كميات من مادة ثانى أكسيد التيتانيوم المستخدمة فى غش عصير القصب، أعلن إسلام الجزار، المتحدث باسم جهاز حماية المستهلك، عن أن هذه الواقعة ستدفع الجهاز إلى تكثيف الرقابة على محال بيع عصير القصب، نظرًا لأهمية هذا المشروب الذى يمثل جزءًا أساسيًا من القطاع الغذائى، ويحتل مكانة خاصة لدى شريحة واسعة من المواطنين. وأوضح المتحدث، فى تصريحات تليفزيونية، أن هناك حملات مستمرة على القطاع الغذائى بشكل عام، مع تركيز خاص على محال عصير القصب، بعدما تبين أن العديد منها يستخدم هذه المادة للحفاظ على قوام العصير ومنع تغيّر لونه الداكن الطبيعى مع مرور الوقت. وأضاف أن التحريات كشفت عن استخدام نسب كبيرة من هذه المادة تفوق الحدود المسموح بها، إذ يتم خلط كميات ضخمة من ثانى أكسيد التيتانيوم مع العصير دون معرفة دقيقة بالمعايير أو نسب المعايرة، مشيرًا إلى أن بعض المحال يضعها بمقادير غير محسوبة، ما يضاعف من خطورتها على صحة المستهلكين.
وكيل «صحة القليوبية»: إعلان نتائج التحقيقات فور انتهائها.. ولا تهاون مع الغش التجارى
أعلن الدكتور أسامة الشلقانى، وكيل وزارة الصحة بالقليوبية، عن تكثيف الحملات الرقابية على جميع محال الأغذية والمشروبات، خاصة محال عصير القصب، سواء المرخصة أو عربات البيع المتنقلة والتروسيكلات المزودة بماكينات العصر، بمختلف مدن وقرى المحافظة، وذلك عقب ضبط كمية من مادة ثانى أكسيد التيتانيوم المستخدمة فى غش عصير القصب بمدينة طوخ.
وأوضح، لـ«الدستور»، أن الواقعة تخضع حاليًا للتحقيق من قبل الجهات المختصة، مشيرًا إلى أنه سيتم إعلان نتائج التحقيقات فور الانتهاء منها، فى إطار الحرص على حماية صحة المواطنين والتصدى لممارسات الغش التجارى التى تستهدف تحقيق أرباح غير مشروعة على حساب سلامة المستهلكين.
وأضاف أن استخدام مواد كيميائية لتغيير لون أو طعم العصائر يمثل مخالفة جسيمة قد تنعكس سلبًا على الصحة العامة، مؤكدًا استمرار جهود الرقابة والتفتيش لضبط أى مخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال مرتكبيها.
من جانبه، قال وائل جمعة، رئيس مركز ومدينة طوخ، إن حملة مكبرة نُفذت بالتنسيق مع جهاز حماية المستهلك والهيئة القومية لسلامة الغذاء ومديرية التموين، استهدفت التأكد من سلامة الأغذية والمشروبات المقدمة للمواطنين داخل المطاعم والعربات المتنقلة ومحال العصائر.
وأشار إلى أن الحملة جاءت تنفيذًا لتوجيهات محافظ القليوبية بشأن تكثيف الرقابة على السلع والمنتجات الغذائية المتداولة فى الأسواق والشوارع والميادين العامة، حفاظًا على صحة المواطنين.
وأضاف أن أعمال التفتيش أسفرت عن ضبط كمية من مادة ثانى أكسيد التيتانيوم المستخدمة فى إكساب عصير القصب لونًا أبيض غير طبيعى، فى مخالفة تمثل إحدى صور الغش التجارى وتهدد الصحة العامة.
وأوضح أن محافظ القليوبية وجّه جميع الجهات المعنية بملف سلامة الغذاء والصحة العامة بضرورة تكثيف المتابعة الميدانية المستمرة للأسواق والمطاعم ومحال الأغذية والمشروبات، وسحب عينات دورية لتحليلها بالمعامل المختصة، والتأكد من مطابقتها للاشتراطات الصحية والقانونية، بما يضمن حماية المواطنين والحفاظ على الصحة العامة.
أخبار متعلقة :