موقع تن لاينز الإخباري

سها الشرقاوي تكتب: بين التفاؤل والحذر.. كيف تقرأ واشنطن مسار الاتفاق مع إيران؟

بين مؤشرات الانفراج ومخاوف التعثر، تقف المفاوضات الأمريكية الإيرانية عند مفترق قد يكون الأهم منذ سنوات. فالتقارير المتزايدة عن اقتراب الطرفين من تفاهم أولي تعكس وجود إرادة سياسية لتجنب التصعيد واحتواء الأزمات المتراكمة، لكنها في الوقت ذاته لا تلغي حجم التحديات التي ما زالت تفصل بينهما.

وفي ظل بيئة إقليمية مضطربة وحسابات دولية متشابكة، تكتسب هذه المفاوضات أهمية استثنائية، ليس فقط لارتباطها بالملف النووي الإيراني، وإنما لما قد تحمله من انعكاسات مباشرة على توازنات المنطقة ومستقبل العلاقات بين واشنطن وطهران.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، تبرز مذكرة التفاهم المتداولة بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها ومؤشرًا سياسيًا مهمًا على وجود إرادة مشتركة لخفض مستوى التوتر وفتح نافذة جديدة للحوار.

غير أن هذه المذكرة، رغم أهميتها، لا تمثل اتفاقًا نهائيًا بقدر ما تشكل أرضية أولية يمكن البناء عليها في المراحل المقبلة.واشنطن تنظر إليها باعتبارها آلية لاحتواء التصعيد وتهيئة المناخ لتفاهمات أوسع، فيما تسعى طهران إلى ترجمة أي تقدم سياسي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة، وفي مقدمتها تخفيف العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات.

ولعل ما يعزز هذه القراءة، هو التطورات الأخيرة التي أشارت إلى اقتراب المباحثات الأمريكية الإيرانية من مراحلها النهائية.

في هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية الباكستانية أن المفاوضات وصلت إلى مرحلة متقدمة، مؤكدة استعداد إسلام آباد للقيام بالإجراءات الفنية اللازمة، بما في ذلك التوقيع الإلكتروني على الاتفاق فور استكمال صياغته النهائية واعتماده من الأطراف المعنية.

وفي سياق متصل، نقل  عن الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب قوله إنه من المقرر توقيع الاتفاق مع إيران يوم غد الأحد، مشيرًا إلى أنه  بعد توقيع الاتفاق مباشرة سيفتح مضيق هرمز للجميع”.

وأضاف ترامب أن علاقة بلاده مع إيران مختلفة تمامًا وأفضل بكثير من علاقات الإدارات السابقة، معربًا عن تطلع واشنطن إلى العمل مع طهران ومع الشرق الأوسط بأسره على المدى البعيد.

إلا أن هذا التفاؤل لم ينعكس بالكامل على الخطاب الإيراني الرسمي، حيث حرصت طهران على إبقاء سقف التوقعات ضمن حدود واقعية. فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن التوقيع على اتفاق المبادئ مع واشنطن لن يتم بشكل فوري، وإن كان احتمال إنجازه خلال الأيام المقبلة يبقى قائمًا.

كما نفى وجود خطط حالية لتوجه فريق التفاوض الإيراني إلى إسلام آباد أو جنيف، في إشارة إلى أن المشاورات لا تزال تتركز على استكمال التفاصيل الفنية والسياسية المرتبطة بالتفاهم المرتقب.

ولا تقتصر أهمية هذه التطورات على المسار الثنائي بين واشنطن وطهران، بل تمتد إلى ما يمكن أن تفرزه من انعكاسات على عدد من الملفات الإقليمية الحساسة. ومن هنا، تتزايد التساؤلات بشأن نطاق الاتفاق المحتمل وما إذا كان سيتجاوز القضايا النووية والاقتصادية ليشمل ملفات أمنية وسياسية أوسع، وفي مقدمتها الملف اللبناني ومستقبل التهدئة على الحدود الجنوبية.

ويكتسب هذا التساؤل أهمية إضافية في ظل الحديث عن دور محتمل للرئيس الأمريكي دونالد ترمب في ضمان التزام إسرائيل بأي ترتيبات لوقف إطلاق النار، وهو ما تتابعه طهران عن كثب باعتباره عاملًا مؤثرًا في نجاح أي تفاهمات أوسع على مستوى المنطقة.

وفي هذا الإطار، أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن التركيز في المرحلة الحالية ينصب على إنهاء الحرب واحتواء التصعيد على مختلف الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانية، مشيرًا إلى أن مذكرة التفاهم الجاري العمل عليها تأتي ضمن رؤية أوسع تهدف إلى خفض التوترات الإقليمية وتهيئة الظروف اللازمة أمام ترتيبات أكثر استقرارًا خلال المرحلة المقبلة.

ومع ذلك، فإن اتساع نطاق الملفات المطروحة على طاولة النقاش لا يعني بالضرورة أن الطريق بات ممهدًا نحو اتفاق شامل. الإدارة الأمريكية لا تزال تتعامل مع المسار الحالي بمنطق الواقعية السياسية أكثر من التفاؤل المطلق. ذلك أن القضايا الخلافية، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وآليات الرقابة الدولية ومستقبل العقوبات الاقتصادية، ما زالت تمثل عقدًا رئيسية يصعب تجاوزها عبر تفاهمات مؤقتة أو حلول مرحلية.

وبناء على ذلك، تنظر واشنطن إلى أي تقدم يتم الإعلان عنه حاليًا باعتباره خطوة تكتيكية تهدف بالدرجة الأولى إلى منع الانزلاق نحو مواجهة جديدة، أكثر من كونه مؤشرًا على التوصل إلى تسوية نهائية وشاملة للخلافات القائمة.

وتنبع هذه المقاربة الأمريكية من اعتبارات استراتيجية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية مع إيران. فالولايات المتحدة تسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة تجمع بين احتواء المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والحفاظ على استقرار منطقة الشرق الأوسط، في وقت تواجه فيه تحديات دولية متزايدة تستنزف جزءًا كبيرًا من اهتمامها السياسي والعسكري.

ومن هذا المنطلق، تبدو الإدارة الأمريكية حريصة على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طهران، مع تجنب تقديم تنازلات قد تثير انتقادات داخلية أو تحفظات من حلفائها الإقليميين، وهو ما يفسر استمرار حالة الحذر التي ترافق الخطاب الأمريكي تجاه المفاوضات الجارية.

وفي مقابل هذا الحذر الأمريكي، تنطلق إيران من مقاربة مختلفة تقوم على ضرورة الحصول على ضمانات واضحة ومستدامة قبل المضي في أي اتفاق جديد.
التجارب السابقة، ولا سيما ما ارتبط بتعثر تنفيذ بعض التفاهمات أو انسحاب أطراف منها، دفعت طهران إلى التشدد في المطالبة بضمانات سياسية واقتصادية تؤكد جدية الالتزامات الأمريكية وتمنحها ثقة أكبر في جدوى العودة إلى مسار الاتفاقات طويلة الأمد.

ولهذا السبب، تواصل إيران التمسك بما تعتبره خطوطًا حمراء تتعلق بحقوقها السيادية ومصالحها الاقتصادية، إدراكًا منها أن أي تفاهم جديد لن يكون قابلًا للاستمرار ما لم يتضمن ضمانات واضحة تحمي مصالحها وتبدد مخاوفها من تكرار تجارب الماضي.

وفي ضوء تباين الحسابات بين الطرفين، تتشكل معادلة تفاوضية معقدة تجمع بين الحاجة المتبادلة إلى التهدئة واستمرار حالة الشك المتبادل. التفاؤل الذي يرافق الحديث عن قرب التوصل إلى تفاهم لا يلغي حقيقة أن الملفات الأكثر حساسية لا تزال عالقة، وأن نجاح أي اتفاق مستقبلي سيعتمد بالدرجة الأولى على قدرة الطرفين على الانتقال من مرحلة اختبار النوايا إلى مرحلة الالتزامات الواضحة والآليات التنفيذية القابلة للتطبيق.

وبشكل عام، تبدو قراءة واشنطن لمسار الاتفاق مع إيران قائمة على مسارين متوازيين؛ أولهما التفاؤل بإمكانية تحقيق اختراق دبلوماسي يخفف من حدة التوترات ويمنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التصعيد، وثانيهما الحذر من تعقيدات الواقع السياسي والأمني ومن دروس التجارب السابقة التي أثبتت أن التفاهمات الأولية لا تكفي وحدها لصناعة اتفاقات مستدامة.

وبين هذين المسارين، يبقى مستقبل الاتفاق رهنًا بمدى قدرة الطرفين على تحويل التقارب الدبلوماسي الراهن إلى تفاهمات أكثر رسوخًا، قادرة على إنتاج تسوية قابلة للحياة والاستمرار في واحدة من أكثر القضايا حساسية على الساحة الدولية.

أخبار متعلقة :