موقع تن لاينز الإخباري

ماذا سيكتب التاريخ عن السيسي؟


هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، ولا محاولة للغزل السياسي، ولا لونًا من ألوان النفاق الذي لم أمارسه يومًا مع أحد.
ومن يعرفني جيدًا يعلم أن قضيتي الأولى كانت وستظل هي مصر، وأن معركة الوعي بالنسبة لي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى تخوضها الدولة.
ولكي يكون حديثي في هذا المقال حديثًا حرًا لا تشوبه مصلحة، ومحاولة موضوعية لا تفسدها خصومة أو مجاملة، كان لابد أن أوضح أولًا طبيعة المساحة التي وقفت فيها طوال السنوات الماضية.
لم أهتم يومًا بزخم إعلامي يُصنع حول اسمي، ولم أنتظر رنين هاتف من قناة فضائية أو محطة تلفزيونية لتسلط الضوء على ما أكتب، أو تناقشني فيه، والحقيقة أن المجتمع الإعلامي لم يلتفت إليّ في أغلب الأحوال إلا بوصفي طبيبًا متخصصًا في أمراض القلب، أما ما طرحته عبر سنوات طويلة من مؤلفات ورؤى وأفكار وتحليلات تتعلق بالدولة والمجتمع والوعي وصناعة المستقبل، فلم يحظ في الغالب بمساحة حقيقية للنقاش أو الدراسة أو حتى الاختلاف الجاد حوله.
وربما يرجع ذلك أيضًا إلى طبيعتي الشخصية؛ فأنا لا أحب السعي إلى الأضواء، ولا أجيد مطاردة الكاميرات، ولا أؤمن بأن قيمة الفكرة تُقاس بعدد مرات ظهور صاحبها على الشاشات، وكنت وما زلت أرى أن مهمة الكاتب هي أن يكتب ما يعتقد أنه صحيح ومفيد وصادق، أما تسويق الفكرة وفرضها على المجال العام فليس دور الكاتب وحده، خصوصًا إذا كانت البيئة الإعلامية نفسها تنحاز في كثير من الأحيان إلى الإثارة السريعة والتريند العابر أكثر من انحيازها إلى النقاش العميق والفكر الجاد.
ولم أنتظر يومًا منصبًا، ولم أسعَ إلى سلطة، لأنني أدرك قبل غيري أنني مُجهد لمن فوقي ومن تحتي، وأن المنصب ليس وجاهة اجتماعية كما يتصور البعض، وإنما مسؤولية ثقيلة يُسأل عنها صاحبها أمام الله والناس والتاريخ، وأن السلطة في جوهرها نوع من أنواع القضاء في أمور الخلق ومصالحهم ومستقبلهم، وهي أمانة لا يجوز الاقتراب منها إلا إذا توافرت لصاحبها شروطها، واقتنع بتوجهاتها، وامتلك الصلاحيات الحقيقية التي تمكنه من تنفيذ ما يؤمن به قبل أن يبدأ، ولذلك لم أنظر إلى الكتابة يومًا باعتبارها طريقًا إلى موقع أو وسيلة للعبور إلى دائرة النفوذ، وإنما باعتبارها مساحة أرقى وأكثر حرية لطرح الأفكار والرؤى والحلول.
فالمقال الجاد يتيح لصاحبه أن يقدم عرضًا أمينًا وأنيقًا للمشكلة ولما يراه من بدائل، دون أن يتحول إلى جزء من السلطة أو جزء من المعارضة، ودون أن يقف حتى في المنطقة الرمادية بينهما، إنه يتحدث من موقع المواطن الذي يملك تجربة، ويحمل دراسة، ويستند إلى علم، ويحاول أن يرى الصورة بقدر ما يستطيع من الموضوعية والتجرد، ثم يترك ما يكتبه للحياة وللناس ولأصحاب القرار؛ فإما أن يجد من يراه جديرًا بالنظر والتأمل، وإما أن يكون عرضًا غير مناسب لأي مشاهد، وفي الحالتين يبقى الكاتب قد أدى ما يراه واجبًا عليه، دون انتظار لمكافأة، ودون خشية من تجاهل.
ولذلك لم أشعر يومًا بالمرارة لأن ما أكتبه لم يتحول إلى قضية رأي عام، ولم أعتبر تجاهل الإعلام أو المؤسسات انتقاصًا من قيمة ما أطرح، فالدولة لها حقها الكامل في أن ترى ما تراه، وأن تأخذ بما تقتنع به أو تترك ما لا تراه مناسبًا أو مفيدًا، وربما تكون قد التفتت إلى بعض ما كتبت دون أن أعلم، وربما لم تلتفت إليه من الأساس، وربما رأت فيه ما لا يستحق الالتفات. وذلك حقها.
أما حقي أنا، فهو أن أكتب. أن أسجل شهادتي على العصر، وأن أضع ما أراه أمام الناس وأمام التاريخ، لا طلبًا لمنصب، ولا سعيًا إلى شهرة، ولا انتظارًا لمكافأة... أكتب في الظل لأنني أؤمن أن الكلمة الصادقة لا تُقاس بتأثيرها الفوري، وإنما بقيمتها الباقية، وقد لا تحتاجها لحظة الكتابة، لكنها قد تجد قارئها بعد سنوات، أو جيلًا كاملًا يأتي لاحقًا فيدرك لماذا كُتبت، ولمن كُتبت، وفي أي زمن كُتبت.
ولذلك فإنني أطرح هذا السؤال اليوم من زاوية تاريخية خالصة، لأن أفضل كتابة للتاريخ هي تلك التي تبدأ من الحاضر، لا تلك التي تُكتب بعد رحيل أصحاب الأحداث بسنوات طويلة.
على مدار سنوات طويلة كتبت عشرات العشرات من المقالات... فأنا لم أكتب يومًا في قضية هامشية، ولم أشغل نفسي بصغائر الأمور، بل انصرفت كتاباتي إلى الملفات التي تمس عمق الدولة المصرية ومستقبلها.
كنت أكتب عن مصر أكثر مما أكتب عن الأشخاص، أكتب عن الدولة، وعن الوعي، وعن التحديات التي تواجه هذا الوطن، وعن الحلول التي أراها ممكنة في ضوء ما تعلمته من العلم، وما اكتسبته من الخبرة، وما أتيح لي من معلومات وطرحت فيها رؤى وحلولًا استندت إلى خبرتي وتجربتي وما أتيح لي من علم ومعلومات.
وبعض هذه المقالات وجهتها بصورة مباشرة إلى السيد الرئيس... لم أتلق يومًا ردًا مباشرًا، لأعرف أن ما كتبته قد وصل أو تمت مناقشته، لكن كان ينتابني في أحيان كثيرة شعور بأن بعض ما طرحته من أفكار ورؤى يتحول لاحقًا إلى قرارات أو سياسات أو توجهات على أرض الواقع، وكان هذا يسعدني كثيرا لأن الكتابة في الظل تتيح لي موضوعية الفكر، والوقوف على مسافة واحدة من التحديات والآراء، ليكون في الرأي تحديًا جديدا قابل للتنفيذ، ورأيًا أطمئن لعدالته.
كتبت عن التربية والتعليم، وقلت مرارًا إن التعليم عندما يتحول إلى عملية بلا فلسفة واضحة أو خطة مستقرة، فإنه يصبح حقل تجارب مفتوحًا تحكمه المصادفات أكثر مما تحكمه الرؤية، ويصنع أجيالًا تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من أن تكون جزءًا من الحل، وكتبت عن صدام الإرادات الدائر في العالم، وعن التحدي الذي تواجهه مصر في بيئة دولية معقدة، ورأيت أن بعض القوى الدولية تنظر إلى مصر باعتبارها عقبة كبرى أمام تحقيق تصوراتها ومشروعاتها في المنطقة، وأن قيمة مصر الحقيقية لا تكمن فقط في موقعها أو حجمها، بل في قدرتها التاريخية على البقاء والمقاومة ورفض الذوبان في إرادات الآخرين، ولم يكن ذلك استنتاجًا عاطفيًا، بل قراءة أحاول أن أبنيها على دراسة التاريخ ومراجعة تجارب الأمم وكيف تتكرر الأنماط نفسها بأشكال جديدة.
وكتبت عن الاستعمار الجديد الذي لم يعد يحتاج إلى جيوش تحتل الأرض بقدر ما يحتاج إلى أدوات اقتصادية وإعلامية وثقافية وسياسية تعيد تشكيل المجتمعات من الداخل، وتوقفت طويلًا أمام الأدبيات والوثائق التاريخية، مثل وثيقة مؤتمر "كامبل بنرمان" التي صدرت عام 1907م، والتي تناولت خطة تقسيم وتفكيك وإضعاف منطقة العالم العربي والإسلامي، وإعادة هندسة توازناتها، وزرع جسم غريب داخله، ينفذ خطة الدول الاستعمارية القديمة، وأقصد هنا "إسرائيل" وريثة الآلة الاستعمارية القديمة، التي ينبطح أمامها المارد الأمريكي ومعسكره.
ودافعت عن مصر عندما رأيت بعض التقارير الدولية تقع في أخطاء منهجية أو تصل إلى استنتاجات لا تتفق مع الوقائع التي أعرفها وأراها، سواء فيما يتعلق بقراءات اقتصادية أو اجتماعية أو نقابية، ومنها تفكيك فرضيات دراسة كارنيجي الموجهة ضد مصر عندما أخطئت الإيكونوميست فى قراءة مصر، وكيف تستخدم الأدوات البحثية لهدم الدول، ولم أتردد في الرد عليها بالحجة والوثيقة والتحليل، وأيضا تقرير الاتحاد الدولي للنقابات العمالية لعام 2026م، والذي جاء بعيدا عن كل معيار أو مؤشر علمي متزن،  حتى وجدت بعض هذه الردود طريقها إلى دوائر وصحف ومنصات خارجية نشرت ما كتبته أو أجزاء منه.
وكتبت عن وزارة قطاع الأعمال العام التي تغرد خارج السرب، وكيف نستفيد من التجربة الصينية في إصلاح هذا القطاع بداية من إلغاء الوزارة ذاتها... وفيما بعد تحقق ذلك!
وكتبت كذلك عن قضية تجديد الخطاب الديني، وعن الفوضى التي أحدثتها صناعة الفتوى خارج مؤسساتها الطبيعية، وتحدثت بصراحة واحترام عن الأزهر الشريف، المؤسسة التي أراها أحد أعمدة القوة الناعمة المصرية وأحد أهم الحصون الفكرية في العالم الإسلامي. 
عرضت ما أراه من معوقات التطور من وجهة نظري، واقترحت تعديلات وأفكارًا تتعلق بقوانينه وآليات عمله، مع التأكيد الدائم على مكانة الإمام الأكبر وضرورة الحفاظ على استقلال موقعه غير القابل للعزل، وهيبته ودوره العالمي من داخل مصر، كما كتبت عن جامعة الأزهر وقضاياها المختلفة، وعن التعليم الطبي بها، وعن اختيار القيادات الجامعية، وعن التحديات التي نشأت مع التوسع في الكليات الجديدة، وعن كثير من الملفات التي رأيت أنها تستحق النقاش الصادق.
وكتبت أيضًا عن الزكاة ودورها التنموي، وعن إمكانية توظيفها بصورة مؤسسية أكثر فاعلية في محاربة الفقر وتقليص مساحات العوز والاحتياج داخل المجتمع. 
وأدرك أن بعض ما كتبته لم يكن مريحًا للجميع، وأن هناك من انزعج من بعض آرائي أو حاول أن ينقلها إلى غير مواضعها أو يقدمها بغير مقاصدها، وربما حَمَل بعضهم مقالاتي إلى الإمام الأكبر في صورة تختلف عما أردته أو كتبته، لكنني لم أنشغل يومًا بهذه المعارك الصغيرة، لأنني كنت وما زلت أؤمن بأن الأشخاص عابرون، أما الوطن فباقٍ، وأن مصر أكبر من خلافات الأفراد، وأبقى من حساباتهم، وأوسع من محاولات التشويه أو سوء الفهم.
وهذا كله ليس إلا نموذجًا محدودًا جدًا من القضايا التي تناولتها عبر سنوات طويلة، بل لعله قطرة من بحر واسع من الكتابات والمقالات والرؤى، وجميعها تقريبًا تدور حول ملفات أعلم أنها تقع في قلب اهتمامات رأس الدولة وتشغل عقل كل من يتحمل مسؤولية قيادتها، ولذلك كان من الضروري أن أقدم هذه الشهادة الطويلة قبل أن أبدأ الإجابة عن السؤال الرئيسي للمقال: ماذا سيكتب التاريخ عن السيسي؟ لأن الإجابة التي أبحث عنها لا أريدها إجابة مؤيد ولا معارض، ولا إجابة صاحب مصلحة ولا صاحب خصومة، وإنما إجابة مواطن قضى سنوات طويلة يراقب ويقرأ ويحلل ويكتب، ويحاول أن يقترب قدر استطاعته من الحقيقة، وربما تأتي أهميتها مع قرب حلول ذكرى ثورة التصحيح الجديدة، ثورة 30 يونيو عام 2013م.
ولذلك فإنني أكرر عندما أطرح اليوم سؤال: "ماذا سيكتب التاريخ عن السيسي؟" أني لا أطرحه من باب المجاملة السياسية، ولا من باب الانحياز الأعمى، وإنما من باب الاهتمام بالتاريخ ذاته، فالتاريخ الحقيقي لا يبدأ بعد انتهاء الأحداث، بل يبدأ أثناء وقوعها.
وأخطر ما يمكن أن يقع فيه المؤرخ هو أن يحاكم الماضي بعواطف الحاضر، أو أن يقرأ الشخصيات التاريخية من خلال مشاعر التأييد أو المعارضة، فالتاريخ لا يسأل: هل أحب الناس هذا الرجل أم كرهوه؟ بل يسأل: ماذا كانت الظروف التي واجهها؟ وما حجم التحديات التي اصطدم بها؟ وما النتائج التي ترتبت على قراراته؟
ومن هنا أعتقد أن الأجيال القادمة سوف تنظر إلى تجربة الرئيس عبد الفتاح السيسي بطريقة تختلف كثيرًا عن الطريقة التي ننظر بها إليها اليوم، لأننا ننظر إليها ونحن داخل الحدث، بينما سينظر إليها التاريخ من خارجه... بشرط أن تسجل بدايات أحداثه من الآن.
عندما تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي المسؤولية، لم يكن يتسلم دولة مستقرة تبحث عن مزيد من الرفاهية، بل كان يتسلم دولة خرجت من سنوات اضطراب سياسي واجتماعي وأمني غير مسبوقة، وكان السؤال المركزي آنذاك ليس: كيف نحقق مزيدًا من النمو؟ بل كان: هل ستبقى الدولة أصلًا؟ وهذا الفارق جوهري.
فالدول لا تنهار دفعة واحدة، وإنما تنهار تدريجيًا عندما تفقد قدرتها على السيطرة على الأرض، أو حماية المؤسسات، أو الحفاظ على تماسك المجتمع، ولو نظرنا إلى ما جرى حول مصر خلال تلك السنوات، فسوف ندرك أن المنطقة كلها كانت تمر بعملية إعادة تشكيل تاريخية، سقطت خلالها أنظمة، وتفككت جيوش، وانقسمت مجتمعات، وتحولت دول كاملة إلى ساحات صراع مفتوح.
وفي قلب هذه العاصفة كانت مصر مطالبة بأن تبقى، ليس أن تنتصر... بل أن تبقى فقط.
وهنا تبدأ أولى المعارك التي سيكتب عنها التاريخ!
سيكتب التاريخ أن الرئيس عبد الفتاح السيسي خاض معركة وجود قبل أن يخوض معركة تنمية، ففي العلوم السياسية توجد قاعدة معروفة تقول إن الدولة لا تستطيع أن تتقدم قبل أن تضمن بقاءها، والأمن ليس بديلًا عن التنمية، لكنه شرط سابق عليها، ولهذا جاءت المواجهة الشرسة مع التنظيمات الإرهابية التي كانت تراهن على إنهاك الدولة واستنزافها وإرباك مؤسساتها.
واليوم قد ينسى البعض حجم الخطر الذي كان قائمًا آنذاك، لكن المؤرخ لا ينسى، فالمؤرخ لا يتعامل مع المشاعر، وإنما مع الوقائع، وسيجد أمامه دولة كانت تواجه إرهابًا منظمًا، وحدودًا ملتهبة، وإقليمًا مشتعلًا، ثم يجد أن هذه الدولة استعادت السيطرة على أراضيها ومؤسساتها، وأجبرت القوى الاستعمارية القديمة، والوريث الجديد على احترامها وعدم الاقتراب من حدودها.
وسيسجل ذلك كحقيقة تاريخية.
لكن المعركة الأخطر لم تكن مع الإرهاب وحده، بل كانت مع الزمن... نعم... مع الزمن نفسه، فالدولة المصرية كانت تؤجل لسنوات طويلة قرارات صعبة تتعلق بالبنية الأساسية والطاقة والطرق والمرافق والإسكان، وكانت فاتورة التأجيل تتضخم عامًا بعد عام.
وكان السؤال المطروح أمام القيادة السياسية: هل نستمر في إدارة الأزمة؟ أم نحاول حلها جذريًا مهما كانت التكلفة؟
وهنا اتخذ الرئيس عبد الفتاح السيسي خيارًا شديد الخطورة سياسيًا... اختار أن يتحمل تكلفة القرارات الصعبة الآن، بدلًا من ترحيلها إلى الأجيال القادمة، وقد يختلف البعض حول صحة هذا الاختيار أو نتائجه، لكن لا أحد يستطيع إنكار أنه كان اختيارًا يحمل مخاطرة سياسية هائلة، فالسياسي عادة يبحث عن القرار الذي يمنحه شعبية، أما رجل الدولة فيبحث أحيانًا عن القرار الذي يحمي الدولة ولو كلفه جزءًا من شعبيته... والخيار الثاني هو ما اختاره الرئيس.
وهذا فرق كبير بين السياسة والتاريخ.
وسيكتب التاريخ أيضًا عن جانب آخر قلما يلتفت إليه الناس، وهو شخصية الرجل نفسه.
فمن يتابع أداء الرئيس منذ سنوات، لا يستطيع أن يتجاهل نمطًا متكررًا من الإدارة والمتابعة اليومية الدقيقة والمباشرة والتدخل بالتصحيح المستمر والتفاصيل الدقيقة، والاجتماعات المتلاحقة، والحضور المستمر في ملفات لا حصر لها، وقد يتفق البعض مع هذا الأسلوب أو يختلف معه، لكن الملاحظة الموضوعية تقول إن الرجل تعامل مع المنصب باعتباره عبئًا ثقيلًا أكثر من كونه امتيازًا، ولم يظهر كرئيس يبحث عن رحلة مريحة إلى قمة السلطة، فالمناصب الكبرى عادة تمنح أصحابها النفوذ والهيبة والامتيازات، أما بعض المناصب في لحظات تاريخية معينة فإنها تتحول إلى تكليف شاق أقرب إلى حمل الجبال منه إلى ممارسة السلطة، لذلك تعامل الرئيس مع المنصب كرجل يشعر باستمرار أن هناك سباقًا مع الوقت.
ولهذا كثرت الاجتماعات، وتعددت الجولات، وازدادت المتابعات اليومية، وكأن هاجس التأخر كان حاضرًا دائمًا في ذهنه، وكأن السؤال الذي يطارده باستمرار هو: هل نتحرك بالسرعة الكافية؟
ثم يبقى سؤال آخر لا يقل أهمية في تقديري: كيف استطاع الرئيس أن يحافظ على هذا القدر من التماسك والاستمرار في العمل وسط واحدة من أعنف حملات الاستهداف الإعلامي والسياسي التي شهدتها المنطقة في تاريخها الحديث؟ فبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع سياساته، لا يمكن إنكار أن الرجل تعرض، وما زال يتعرض، لحملات متواصلة تجاوزت حدود النقد السياسي الطبيعي إلى مساحات واسعة من التجريح الشخصي والتشويه الممنهج والاستهداف المتكرر له ولأسرته ولكثير من العاملين معه.
وكانت هذه الحملات، في تقديري، جزءًا من معركة أكبر خاضتها جماعة الإخوان المحظورة والمصنفة تنظيمًا إرهابيًا في مصر وعدد كبير من دول العالم، مدعومة بمنصات إعلامية ضخمة ومراكز تأثير إقليمية ودولية تتقاطع مصالحها أحيانًا عند نقطة واحدة، وهي إضعاف ثقة المصريين في دولتهم ومؤسساتهم وقياداتهم.
ولم يكن الهدف الحقيقي من هذه الحملات مجرد الهجوم على شخص الرئيس، بقدر ما كان السعي إلى هز الثقة العامة، وإيجاد فجوة بينه وبين الدولة ومواطنيها من جانب، وبينه وبين معاونيه من جانب آخر،  وإشاعة حالة من التردد والخوف داخل دوائر اتخاذ القرار، حتى تصبح كل خطوة محل شك، وكل قرار موضع ارتباك، وكل مسؤول أسيرًا لحسابات الهجوم المتوقع عليه، وقد استحضرت هذه المحاولات، بصورة أو بأخرى، دروس وسيناريوهات الفوضى التي شهدتها المنطقة خلال العقد الماضي، حيث كان الرهان الدائم على إنهاك الدولة من الداخل قبل إسقاطها من الخارج.
لكن ما يلفت الانتباه في التجربة المصرية هو أن هذا الضغط الهائل لم يؤدِّ إلى حالة من الشلل أو الانكفاء، بل بدا أن القيادة السياسية اختارت مسارًا آخر، يقوم على الاستمرار في البناء بالتوازي مع تعزيز القدرة على الحماية، وكأن الدولة كانت تتحرك بيدين في وقت واحد؛ يد تبني الطرق والمدن والمشروعات والبنية الأساسية، ويد أخرى تدعم القوات المسلحة وأجهزة الأمن ومؤسسات الدولة السيادية، إيمانًا بأن التنمية بلا حماية معرضة للضياع، وأن الأمن بلا تنمية لا يصنع مستقبلًا.
وقد يختلف الناس في تقييم النتائج أو في تقدير بعض السياسات، فكل قائد في التاريخ أخطأ وأصاب، لكن من الصعب إنكار أن صلابة الإرادة السياسية في مواجهة هذا الحجم من الضغوط كانت أحد العوامل الرئيسية التي أبقت الدولة المصرية واقفة على قدميها في مرحلة كانت كفيلة بإسقاط دول أخرى أقل تماسكًا أو أقل قدرة على الاحتمال.
وسيكتب التاريخ أيضًا عن معارك أخرى كثيرة واجهها الرئيس السيسي، معارك مع شبكات المصالح الراسخة، ومعارك مع الفساد والبيروقراطية المتجذرة، ومعارك مع مراكز قوى اعتادت أن تبقى بعيدة عن الضوء.
فالتغيير الحقيقي لا يصطدم فقط بالمشكلات، بل يصطدم أيضًا بالمستفيدين من بقاء هذه المشكلات، وهؤلاء لا يظهرون دائمًا في المشهد، لكنهم موجودون داخل كل دولة، وقد كانت معركة الإصلاح الإداري والرقمنة ومحاولات إعادة هيكلة مؤسسات الدولة جزءًا من هذا الصراع الطويل.
أما خارجيًا، فإن التاريخ سوف يضع تجربة الرئيس السيسي داخل سياق عالمي شديد التعقيد، فالعالم الذي حكم خلال السنوات الماضية لم يكن عالم المبادئ المعلنة، بل عالم المصالح المتصارعة... عالم تتحرك فيه القوى الكبرى وفق حسابات النفوذ والطاقة والاقتصاد والأمن، وعالم تتنافس فيه شبكات تأثير ضخمة، ومراكز قرار عابرة للحدود، ومؤسسات مالية وإعلامية وسياسية قادرة على إعادة تشكيل المشهد الدولي.
وفي مثل هذا العالم، كان على مصر أن تحافظ على استقلال قرارها الوطني قدر الإمكان، وأن توازن علاقاتها شرقًا وغربًا، وأن تمنع نفسها من السقوط داخل محاور مغلقة، وهذه معركة قد لا يراها المواطن العادي، لكنها من أكثر المعارك تعقيدًا في إدارة الدول.
ومع ذلك كله، فإن التاريخ المنصف لن يكتب صفحة من الإنجازات ويتجاهل صفحة التحديات، فسوف يكتب عن الضغوط الاقتصادية، وسوف يكتب عن معاناة المواطن من موجات الغلاء، وسوف يكتب عن القلق الذي صاحب سنوات الإصلاح الاقتصادي، وسوف يكتب عن الأسئلة المشروعة التي طرحت حول بعض السياسات والقرارات.
فالتاريخ الجاد لا يكتب المديح، ولا يكتب الهجاء... إنه يكتب الحقيقة كما يراها.
لكنني أعتقد أن السؤال الذي سيشغل المؤرخين بعد خمسين عامًا لن يكون: هل كان السيسي محبوبًا أم غير محبوب؟ هل كان مؤيدوه أكثر أم معارضوه أكثر؟ هذه أسئلة تخص السياسة اليومية، أما السؤال التاريخي الحقيقي فسيكون: عندما كانت المنطقة كلها تتغير، وكانت الدولة المصرية تواجه أخطر اختبار في تاريخها الحديث، ماذا فعل الرجل الذي جلس على مقعد المسؤولية؟
وهل خرجت مصر من تلك المرحلة أضعف مما كانت؟ أم أكثر قدرة على البقاء؟
هنا تحديدًا سيصدر التاريخ حكمه.
أما نحن، أبناء اللحظة الراهنة، فما زلنا نعيش داخل الحدث، وما زال الغبار يتصاعد من أرض المعركة، ولذلك فإن أحكامنا ستظل ناقصة.
أما التاريخ، فهو وحده الذي يرى الصورة كاملة بعد أن تهدأ العواصف.
ورسالتي الأخيرة ليست إلى الرئيس، بل إلى الشعب المصري نفسه.
فالشعوب التي لا تجيد قراءة المشهد كاملًا قد تضيع منها فرص النجاة وهي تظن أنها تبحث عن الخلاص، والشعوب التي تنظر إلى يومها فقط قد تخسر غدها دون أن تشعر... نعم، لقد عانى المواطن المصري وما زال يعاني. عانى من موجات الغلاء القاسية التي صاحبت برامج الإصلاح الاقتصادي، وعانى من ضغوط اقتصادية عالمية وإقليمية انعكست على حياته اليومية، وعانى من حملات مستمرة لبث الإحباط واليأس وفقدان الثقة، وعانى من سيل متدفق من الشائعات والأكاذيب التي تصنعها منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الموجهة، وعانى من تأخر بعض الاستحقاقات الدستورية والطموحات التي كان يأمل أن يراها أسرع مما حدث.
كل ذلك صحيح، ولا يجوز إنكاره أو التقليل من آثاره على حياة الناس.
لكن السؤال الذي أطلب من كل مواطن أن يطرحه على نفسه بصدق وتجرد هو: لو لم تخض الدولة هذه المواجهة منذ سنوات، ولو لم تتخذ القيادة السياسية المسار الذي اتخذته، فهل كانت مشكلاتنا اليوم ستقتصر على الغلاء وبعض الأعباء الاقتصادية فقط؟
أم كنا سنناقش أشياء أكثر خطورة بكثير؟
هل كنا سنتحدث عن أسعار السلع، أم عن غياب السلع نفسها؟ وهل كنا سنشكو من صعوبة المعيشة، أم من غياب الأمن الذي يجعل للحياة معنى أصلًا؟
هل كنا سنختلف حول مستوى الخدمات، أم كنا سنبحث عن بقاء الخدمات نفسها؟
انظروا حولكم إلى ما جرى في دول عديدة حين ضعفت الدولة أو انهارت مؤسساتها أو تفكك نسيجها الوطني... لم تعد القضية هناك سعر رغيف الخبز أو فاتورة الكهرباء، بل أصبحت قضية البقاء ذاته... أصبح المواطن يحرس بيته بنفسه، ويخشى الطريق إلى عمله، ويقلق على أطفاله أكثر مما يقلق على مستقبله، وأصبحت المياه والطاقة والدواء والتعليم والأمن أحلامًا يبحث عنها الناس بعد أن كانت حقوقًا بديهية.
ولو أن مصر انزلقت إلى هذا المصير، لكان الحديث اليوم مختلفًا تمامًا، لكنا نتحدث عن انهيار المدارس لا عن تطويرها، وعن غياب المستشفيات لا عن تحسينها، وعن انقطاع الخدمات الأساسية لا عن كفاءتها، وعن صراع الناس على الموارد لا عن تحسين مستوى المعيشة.
ولهذا فإن الواجب الوطني في هذه المرحلة لا يتمثل في الوقوف خلف شخص، أيًّا كان هذا الشخص، بقدر ما يتمثل في الوقوف أمام كل وعي زائف يحاول أن يضللنا، وأمام كل شائعة تستهدف عقولنا، وأمام كل دعوة إلى اليأس والعجز والاستسلام، وأمام كل تكاسل يجعل المواطن ينتظر من الدولة كل شيء بينما لا يقدم هو شيئًا لوطنه.
علينا أن ندرك أن الدول لا تبنيها الحكومات وحدها، ولا الرؤساء وحدهم، بل تبنيها الشعوب الواعية القادرة على التمييز بين النقد الذي يصلح، والهدم الذي يدمر، وبين المعارضة التي تريد الأفضل للوطن، والفوضى التي لا تريد للوطن أن يبقى أصلًا.
إن مصر اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الفهم، ولا تحتاج إلى مزيد من الصخب بقدر ما تحتاج إلى مزيد من العمل. ولا تحتاج إلى معارك بين أبنائها بقدر ما تحتاج إلى اصطفاف وطني واعٍ حول فكرة الدولة نفسها.
فإذا صح ما أراه، وإذا كانت قراءتي للمشهد صحيحة، فإن السنوات القادمة يمكن أن تكون سنوات استقرار حقيقي وانطلاقة أكبر مما نتصور، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا أدرك المصريون أن أعظم قوة تملكها الأمم ليست السلاح ولا المال ولا الموارد، وإنما وعي شعبها وقدرته على فهم اللحظة التاريخية التي يعيشها.
وعندما يفهم الشعب لحظته جيدًا، ويتجاوز خلافاته الصغيرة، ويتمسك بدولته ومؤسساتها، ويصحح أخطاءه قبل أن يطالب الآخرين بتصحيح أخطائهم، عندها فقط تبدأ النهضة التي نحلم بها جميعًا، ويصبح المستقبل أقرب مما نظن.
فالتاريخ لا يقيس الرجال بالشعارات، ولا بالهتافات، ولا بحملات التأييد أو الهجوم، وإنما يقيسهم بحجم المعارك التي خاضوها، وبما بقي من آثارهم بعد أن يرحلوا، وعندما تهدأ ضوضاء السياسة، وتسقط انفعالات اللحظة، ويجلس المؤرخ أمام الوثائق والأرقام والشهادات، سيبقى سؤال واحد ينتظر الإجابة:
هل كان عبد الفتاح السيسي مجرد رئيس حكم مصر لسنوات؟
أم كان رجل دولة قاد سفينة ثقيلة وسط أمواج عاتية، وظل ممسكًا بالمقود حتى وصلت إلى بر الأمان؟
أعتقد أن السؤال الصحيح سيكون: ما حجم التحديات التي واجهها؟ وما حجم الدولة التي تسلمها؟ وما حجم الدولة التي تركها؟
ذلك هو السؤال الذي سيجيب عنه التاريخ.

 

أخبار متعلقة :