إلى وقت قريب كانت القاهرة تستقبل عشاقها المشغولين بالفن والثقافة فى باب الحديد، فاتحة ذراعيها، وكانت مقاهيها تمنحهم الأمان والدفء، وكانت القروش القليلة كافية، لم تكن الأحوال المادية أفضل من الآن، ولكن الأحلام كانت تعطى إحساسًا بالامتلاء والغبطة، فماذا حدث؟ ولماذا يتم انتزاع مساحات من ليل هذه المدينة العظيمة لصالح أشخاص أو «جهات» لا يعرفون قدرها؟
يفاجأ الجميع كل مرة باختفاء مقهى أو مكان سهر، وظهور أمكنة أخرى لا يقدر على أسعارها غير طبقة جديدة لم تكن الثقافة فى يوم من الأيام ضمن اهتماماتها. أصبح عشاق القاهرة الخديوية غرباء فيها، يجلسون إلى ذكرياتهم فى ثلاثة محلات على الأكثر، ليؤكدوا للوافدين أنهم ينتمون إلى هذا المكان، الذى كان عنوانًا للحداثة منذ نهايات القرن التاسع عشر، وشهد ارتجالًا عظيمًا أنتج ذاكرة وزرع وجدانًا عفيًا، حاصر التطرف، ولكنه فى النهاية هزم على أيدى رأس المال الغاشم الذى حدد بوصلة الإبداع أيضًا، بمزاياه وجوائزه، لا يوجد أحد ضد التطوير، ولا شك أن عمارات كثيرة تم انتشالها من حالة البؤس التى كانت قد وصلت إليها، ولكن فى المقابل تم هدم حالة المدينة الوجدانية التى صنعت أسطورة القاهرة.
وأنا أقلب فى مكتبتى ظهر لى كتاب «خبايا القاهرة» لأحمد محفوظ، فى طبعة الشروق التى صدرت فى ٢٠٠٨، بمقدمة رائعة ليوسف الشريف، مؤلف الكتاب لا يوجد له عنوان أو عمر، كل ما أتيح من معلومات أن صاحبه يعتزم نشره سنة ١٩٥٨، وأن محفوظ كان صديقًا لحافظ إبراهيم، الكتاب هو عن تاريخ القاهرة الوجدانى، بعيدًا عن التاريخ السياسى والاجتماعى الذى تزخر به المكتبات.
فى حديث صحفى للمؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعى أجاب عن سؤال: ما هو الدرس الذى أفاده واستوعبه من كتابة التاريخ؟ أجاب: «تعلمت من كتابة التاريخ أن المؤرخ يجب أن يبحث عن كيف يلهو الشعب، إن اللهو يكشف عن نفسية الشعب، فتاريخ الشعب مرتبط بطريقة لهوه. كان المؤرخون القدامى يعرفون الناس من مقابرهم، بينما فى العصر الحديث يرى المؤرخ أن حياة الناس البعيدة عن السياسة ترسم بدقة جوهر السياسة، فالأبطال تصنعهم الحياة الجارية بكل ما فيها من ثورة ولهو، وأنا على سبيل المثال من جيل كان يلهو كثيرًا ويبكى كثيرًا».
التأريخ للحظتنا الآنية صعب جدًا، لأنك أمام فن يشبه الفن، أمام محاذير وضعها المتشددون ومشى عليها المجتمع، أمام أنشطة توحى لك بأنك تعيش فى زمنك، تصاحبه موسيقى المهرجانات، المؤرخون القدامى رصدوا الحالة الوجدانية فى دمشق فى عصر الأمويين، وبغداد فى عصر العباسيين، وصفوا لياليها ومآدبها وأنسها وشعراءها وظرفاءها، اختفى هذا التأريخ فى عصور الانحطاط الحضارى مع المماليك والأتراك، أما المؤلفات الحديثة فى هذا المجال فقد انشغلت فقط بجمع النكات والنوادر، أو التأريخ لأدب الفكاهة فى الصحف.
كتاب «خفايا القاهرة» هو رحلة من حياة المدينة الطويلة، تجول فى ملاهيها ونواديها ومقاهيها وفنادقها وحياة التمثيل وحياة الغناء والحياة الاجتماعية والعادات والمعاش والعراس والأعياد والشحاذين والثورات، كل هذا من خلال مقاطع قصيرة يحكى فيها محفوظ بتلقائية غير المحترف حكايات تبدو شائعة فى زمنه، ويتداولها الناس، فمثلًا حين تطرق إلى حالة الغناء فى نهاية القرن التاسع عشر، أراد أن يتحدث عن المنافسة بين الكبيرين محمد عثمان وعبده الحامولى، «الذى كان لا يغنى للناس إلا بعد استئذان السراى الخديوية»، حكى محفوظ واقعة ذهاب الحامولى لمجاملة صديقه الشنتورى المغنى، وكان محمد عثمان يتجلى، والناس يكادون يخرجون من أثوابهم طربًا، وخاف الذى حكى لمحفوظ من المقارنة إذا غنى الحامولى بعد عثمان، ولكن الأول قال له «وسأغنى نفس اللحن»، وقد كان، وأبدع أيما إبداع، فلم يلبث محمد عثمان أن أخرجه الغيظ عن الاتزان، وصاح مشيرًا إلى عبده «بقى الراجل ده جاى يجامل ولا جاى يموتنى». حكايات كثيرة مثل هذه يزخر بها هذا الكتاب اللطيف، الذى التقط روح القارة، ورسم جدارية لزمن رحب كان وجدان القاهرة هو عاصمتها. بعد أن فرغت من الكتاب تذكرت هذه القصيدة التى نشرتها لى الأهرام فى أبريل ٢٠٠٨:
أسوار مدينتى
ضاعت فى المدينة..
وصار على الناس
أن يعبروا صامتين
ويصعدوا منازلهم
على أطراف أصابعهم..
بعد أن ظهرت لافتات مضيئة
فى كل مكان
تؤكد أن أسوارًا جديدة
فى الطريق
......
كان من السهل..
أن تمتطى أسوار مدينتى
وتترك قدميك للماء..
ويداك ممسكتان بالغناء
فى الهواء
الغناء الذى كان يغمر الناس
فى المواسم..
توقف الغناء فى مدينتى
توقف الصراخ
توقف الغزل
.....
اللصوص والحراس والدعاة
يعرفون كل شىء.
أخبار متعلقة :