كشف الدكتور شوقي ضيف، في كتابه "مع العقاد" الصادر ضمن سلسلة "اقرأ" عن دار المعارف، جانبًا إنسانيًا أقل شهرة في حياة الأديب والمفكر الكبير عباس محمود العقاد، يتعلق بفتاة كفلها ورعاها سنوات طويلة حتى أصبحت تعده أبًا لها، قبل أن تنتهي حياتها بصورة مأساوية عقب وفاته.
ويروي شوقي ضيف أن العقاد مرّ خلال ثلاثينيات القرن الماضي بأزمة مالية صعبة عقب خروجه من حزب الوفد ودخوله في معارك سياسية حادة مع مصطفى النحاس ومكرم عبيد، بعدما رأى أنهما انحرفا عن نهج المقاومة الوطنية في مواجهة القصر والاحتلال البريطاني.
وقد شن العقاد هجومًا عنيفًا عليهما عبر صفحات مجلة "روز اليوسف"، التي أيدت مواقفه السياسية في ذلك الوقت.
ومع اشتداد الخلافات السياسية، تعرض العقاد لأزمات مهنية ومالية متلاحقة، خاصة بعد تعثر بعض مشروعاته الصحفية، وهو ما أدى إلى تراجع أوضاعه الاقتصادية.
وفي تلك الفترة، ارتبط بعلاقة إنسانية مع أسرة كانت تقيم بالقرب منه، حيث عرضت إحدى سيداتها مساعدته في أزمته المالية تقديرًا لمكانته الأدبية والفكرية.
ويشير شوقي ضيف إلى أن العقاد تكفل بعد ذلك بطفلة فقدت والدتها ولم تجد من يعولها، فاحتضنها وقدم لها الرعاية الكاملة، وأغدق عليها من عطفه واهتمامه ما جعلها تناديه دائمًا بـ"أبي".
ومع مرور السنوات، تحولت العلاقة بينهما إلى رابطة إنسانية عميقة تجاوزت حدود الكفالة التقليدية.
وبحسب الرواية التي أوردها شوقي ضيف، فإن الفتاة لم تحتمل صدمة وفاة العقاد عام 1964، إذ شعرت بأنها فقدت السند الوحيد في حياتها، فانتهى بها الأمر إلى الانتحار حزنًا عليه ويأسًا من الحياة بعد رحيله.
وتأتي هذه القصة في سياق أوسع رسمه شوقي ضيف لشخصية العقاد، التي لم تقتصر على دوره السياسي والفكري والأدبي، بل امتدت إلى مواقف إنسانية عديدة عكست جانبًا مختلفًا من شخصيته.
فبينما عُرف العقاد بصلابته في المعارك الفكرية والسياسية، كان في حياته الخاصة صاحب قلب رحيم، لا يتردد في مد يد العون لمن يحتاج إليه.
ويستعرض الكتاب كذلك جانبًا مهمًا من نضال العقاد الوطني، إذ يوضح كيف واصل هجومه على معاهدة 1936 التي عقدتها الحكومة المصرية مع بريطانيا، معتبرًا أنها لا تحقق الاستقلال الحقيقي للبلاد.
كما رصد شوقي ضيف استمرار نشاط العقاد الأدبي والفكري في تلك المرحلة من خلال مؤلفاته البارزة مثل "سعد زغلول"، و"عابر سبيل"، و"شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي"، فضلًا عن كتابه "عالم السدود والقيود" الذي وثّق فيه تجربة سجنه ورؤيته لإصلاح المؤسسات العقابية.
وبين صفحات "مع العقاد"، لا تظهر سيرة الأديب الكبير بوصفها تاريخًا لفكر وأدب فقط، بل أيضًا حكاية إنسان ترك أثرًا عميقًا في حياة من عرفوه واقتربوا منه، حتى إن رحيله كان بالنسبة لبعضهم نهاية لعالم كامل.
أخبار متعلقة :