أربعة عناوين فى المواقع الإخبارية والصحف اليومية، ضمنها «الدستور» فرضت نفسها على قلمى.. لكى أكتب هذا المقال عن مواسم الغش عندنا.
وموضوع الغش فى الامتحانات ألح علىّ فى وقت مبكر عن موعده السنوى، اعتدت أن أجمع وأخزن مجموعة من المعلومات والملاحظات داخل ذاكرتى، ثم أكتب مقالًا أو أكثر فى موسم الثانوية العامة.. وما تشهده من ابتكارات فى صور وأنماط الغش.. أو حدوثه وفقًا لصوره التقليدية التى عرفناها وألفناها لعقود طويلة.
الجدل الذى ثار حول فيلم «برشامة» كان حافزًا رئيسيًا لكى أفكر فى الكتابة مجددًا عن الغش، الفيلم الذى رُفع من دور العرض السينمائية، قبل أيام قليلة بعد أن حقق مشاهدات وعوائد مالية قياسية، هوجم بقسوة من مجموعات تدعى التدين، توقفوا عند عدة عبارات ومواقف كوميدية بعينها حدثت مع أبطال الفيلم داخل لجنة الامتحان أو خارجها، اعتبروها متجاوزة دينيًا، لكن هؤلاء المتشددين، تجاوزوا عن وقائع الغش نفسها، لم يعلقوا حول مواقف الدين الحازم من رفض الغش بجميع صوره، لم يتناولوا جزاء الغشاشين وعاقبتهم عند الله.
مر هذا الجدل الواسع أيضًا دون أن يحرك قلمى فى الوقت المحدد، ربما لأن شعبية الفيلم أو مكاسبه داخل مصر وخارجها كانت خير رد على أمثال هؤلاء، أيضًا وجدت أن هناك من يسعى للشهرة.. وتشويه إبداع الآخرين. رأيت ألا أشترك فى هذا الاستعراض.
الأربعة عناوين التى دعتنى للكتابة عن الغش ليست مجرد أخبار عابرة، لكنها جاءت ضمن مسارات موضوعات وقضايا مهمة استحوذت على اهتمام الرأى العام على مدى الأيام الماضية. أنقل هنا العناوين المنشورة بالقرب من بعضها.. ثم أعلق على ما أقصده بعد ذلك: «الداخلية تكشف تفاصيل مشاجرة داخل لجنة امتحانات بالشرقية»، «إحالة ١٠٢ طالب للتحقيق فى جامعة القاهرة الأهلية فى وقائع غش وإخلال بالنظام»، «التعليم تتمسك باللجان المجمعة للثانوية العامة.. رغم شكاوى الأهالى». «بعد الضجة التى خلقتها قضية طبيب القلب المزيف.. غلق أربعة فروع لعيادات طبية فى الإسكندرية وحدها».
كل عنوان من الأربعة يستحق مقالًا وحده، هى بمثابة ناقوس خطر على تغلغل الغش والغشاشين فى كل مكان، وأن الجهود الحكومية والرقابية التقليدية لم تعد كافية وحدها للمواجهة.
دول العالم من شرقه لغربه تتقدم للأمام بفروع العلوم الحديثة، ونحن ننشغل بقضايا الغشاشين الذين وصلوا للعصب، وصلوا للطب ولجراحات القلب ذاتها!. من المؤكد أن هناك الآلاف من مدعى الصفة، يمارسون مهنًا ووظائف حيوية وحساسة مثل المهندسين والمحامين والإعلاميين. الذين يحصلون على درجات وتقديرات فى الامتحانات لا يستحقونها فى الامتحانات، هم أشد خطرًا من مدعى الصفة لأنهم يعجزون عن تأدية مهام وظائفهم، كما ينبغى، تخيلوا مهندسًا تخرج فى مدرسة وجامعة معتمدتين، بعد أن مارس كل أشكال وصور الغش، ساعده أهله على ذلك، اشتروا له أدوات حديثه تسهم فى مهمته، شجعوه على تسريب الامتحانات وإدخال الإجابات، هذا المهندس، هل تثق فيه وتسكن عمارة يبنيها، أو آلة يشرف على تشغيلها أو صيانتها؟!. قس على ذلك.. جميع المهن خاصة الحساسة منها مثل الطب.
لم أعد أراهن على الوازع الدينى عند الناس. الغالبية منا باتوا يبررون لأنفسهم ممارسة الغش أو تسهيله فى الامتحانات بتخريجات فقهية ضعيفة جدًا، لنبدأ المواجهة من حيث انتهى الآخرون. سمعتنا باتت سيئة فى هذا المضمار، وفقًا لبيانات دولية استشهدت بها منظمات الأمم المتحدة، وضمنها يونيسف، فإن نتائج الطلاب المصريين فى الاختبارات الدولية جاءت منخفضة، أكثر من نصف الطلاب المصريين لم يحققوا حتى الحد الأدنى المرجعى فى القراءة والرياضيات والعلوم فى تلك الدراسات الدولية.
كان لتعليمنا سمعة جيدة للغاية على المستوى الدولى والإقليمى. مدرسونا، قبل سنوات قريبة، علّموا الطلاب العرب هنا وهناك. تركوا هناك سمعة ممتازة. الآن هذه السمعة الطيبة باتت من الماضى. تنقرض وكأنها كائن أسطورى انتهى من العالم.
أنا مع التطهير الذاتى داخل كل وزارة وكل قطاع، الأولوية بالطبع، لوزارتى التربية والتعليم والتعليم العالى. لا بد من الحزم فى معاقبة الغشاشين والاستعانة بالأدوات التكنولوجية الحديثة. تجربة اللجان المُجمّعة للثانوية العامة، ومنع اللجان فى القرى أو المجتمعات المشهورة بتسهيل الغش، خطوة ممتازة، هى مرهقة للطلاب وأولياء الأمور، لكنها مهمة فى هذه المرحلة.
علينا أيضًا منع الاستثناءات والوساطات فى اللجان وكونترولات التصحيح، نسبة كبيرة من الغش وتزوير النتائج تبدأ من هناك.
قبل يومين فقط، قرأت تصريحًا لنقيب الأطباء الدكتور أسامة عبدالحى، جاء فيه أنهم يناقشون حاليًا «مراقبة العيادات، وأن المرضى يمكنهم، باستخدام رمز QR، التحقق من هوية الطبيب وترخيصه، وأن ذلك من شأنه مكافحة انتحال صفة الأطباء، التطبيق يتيح أيضًا لكل مواطن، أو الجهات المعنية، التأكد من بيانات الطبيب عبر QR Code. هذه إحدى الخطوات العملية ضمن إجراءات مواجهة الممارسة الطبية دون ترخيص، هذا التطبيق يتيح أيضًا لوسائل الإعلام التحقق من بيانات الطبيب.
هذه الخطوة ينبغى أن نشجعها وندعمها، ليت الجميع يواجهون الغش والغشاشين ومدعى الصفة، بأساليب عصرية ومبتكرة مماثلة لما تخطط له نقابة الأطباء.
أخبار متعلقة :