لم يعد الطب البديل مجرد ممارسة شعبية محدودة، بل أصبح جزءًا من المشهد المُعتاد على القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر وصفات الأعشاب، وخلطات التخسيس، والحجامة، والمكملات الطبيعية، مصحوبة بوعود عن "العلاج الآمن" و"النتائج السريعة" و"الشفاء بدون أدوية".
ومع تزايد الإقبال على هذه الوسائل، تتصاعد في المقابل التساؤلات حول حدود الأمان، خاصة مع اعتماد بعض المرضى عليها باعتبارها بديلًا للعلاج الطبي التقليدي، في وقت يؤكد فيه متخصصون أن بعض الأعشاب قد تحمل فوائد حقيقية، لكن استخدامها العشوائي قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة.
وصفات "طبيعية" قد تتحول إلى خطر
في هذا السياق، يحذر الدكتور محمد عز العرب، ، أستاذ الكبد ومؤسس وحدة أورام الكبد بالمعهد القومى للكبد والمستشار الطبى للجمعية المصرية للحق فى الدواء، من خطورة الاستخدام العشوائي للأعشاب ووصفات الطب البديل المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الفضائية، مؤكدًا أن وصف أي منتج بأنه “طبيعي” أو “آمن 100%” لا يعني بالضرورة أنه خالٍ من الأضرار، خاصة إذا استُخدم بجرعات مرتفعة أو لفترات طويلة أو بالتزامن مع أدوية أخرى.
ويقول "عز العرب" إن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما تُستخدم الأعشاب كبديل للعلاج الطبي المعتمد، موضحًا أن بعض المرضى، خصوصًا مرضى السرطان والأمراض المزمنة، قد يتأخرون في الحصول على العلاج الصحيح بسبب الاعتماد على وصفات الإنترنت أو المنتجات العشبية غير الموثقة.
ويضيف أن كثيرًا من خلطات الأعشاب ومنتجات التخسيس والمكملات العشبية تُباع دون رقابة علمية كافية، وبعضها يحتوي على مواد مجهولة المصدر أو جرعات مركزة قد تؤدي إلى أضرار جسيمة في الكبد والكلى والقلب.
مضاعفات خطيرة للكبد والكلى
ويشير أستاذ الكبد إلى أن بعض منتجات التخسيس العشبية ارتبطت بحالات التهاب كبدي حاد وارتفاع شديد في إنزيمات الكبد، موضحًا أن مستخلصات مثل الشاي الأخضر المركز، خاصة عند تناولها في صورة كبسولات وبجرعات مرتفعة، قد تسبب فشلًا كبديًا حادًا لدى بعض الحالات.
كما يلفت إلى أن الأعشاب المدرة للبول والمستخدمة في وصفات التخسيس قد تؤدي إلى اضطرابات خطيرة في الأملاح المعدنية والجفاف الشديد، مثل انخفاض البوتاسيوم وارتفاع الصوديوم، وهو ما قد ينتهي بالفشل الكلوي أو الحاجة إلى الغسيل الكلوي.
ويتابع الدكتور محمد عز العرب أن بعض هذه المنتجات قد تكون ملوثة بمعادن ثقيلة أو مبيدات حشرية، وهو ما يزيد من خطورتها على المدى الطويل، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة في الكبد أو الكلى.
القلب أيضًا في دائرة الخطر
ولا تتوقف المضاعفات عند الكبد والكلى فقط، إذ يؤكد مؤسس وحدة أورام الكبد بالمعهد القومى للكبد على أن بعض الأعشاب قد تؤثر بشكل مباشر على القلب والدورة الدموية، موضحًا أن الإفراط في تناول العرقسوس قد يسبب احتباس السوائل وارتفاع ضغط الدم وانخفاض البوتاسيوم، ما قد يؤدي إلى اضطراب ضربات القلب أو دخول المريض إلى الرعاية المركزة.
كما يشير إلى أن بعض الأعشاب تتفاعل بصورة خطيرة مع أدوية القلب والسيولة، مثل الثوم والزنجبيل والقرفة والجينكو بيلوبا والكركم عند تناولها بجرعات مرتفعة، خاصة لدى المرضى الذين يستخدمون أدوية مثل الوارفارين والأسبرين والكلوبيدوغريل، وهو ما قد يزيد من احتمالات النزيف الحاد أو النزيف بالمخ والمعدة.
ويضيف أن بعض المنتجات العشبية المتداولة عبر الإنترنت قد تحتوي على مواد محظورة دوليًا، مثل مادة “السيبوترامين” المستخدمة في بعض خلطات التخسيس، والتي تم منعها في عدد من دول العالم بسبب مخاطرها على القلب والشرايين.
الحجامة.. فوائد محتملة ومحاذير ضرورية
وفيما يتعلق بالحجامة، يرى الدكتور محمد عز العرب، أستاذ الكبد ومؤسس وحدة أورام الكبد بالمعهد القومى للكبد والمستشار الطبى للجمعية المصرية للحق فى الدواء، أنها قد تساعد أحيانًا في تخفيف بعض الآلام أو الصداع، لكنها تحتاج إلى ضوابط صارمة، أهمها التعقيم الكامل ووجود أشخاص مؤهلين ومرخص لهم بممارسة هذا النوع من الإجراءات.
ويحذر من أن استخدام أدوات غير معقمة قد يؤدي إلى انتقال الفيروسات الكبدية مثل فيروس “سي” و”بي”، مؤكدًا أن الحجامة لا يمكن اعتبارها علاجًا للأورام أو الأمراض المزمنة كما يُروَّج أحيانًا عبر السوشيال ميديا.
هل الأعشاب مفيدة بالفعل؟
من جانبه، يؤكد الدكتور إسلام الشواف، استشاري أمراض الباطنة والغدد، أن طب الأعشاب لا يمكن إنكار وجود دور علاجي له في بعض الحالات، لكنه لا يزال يعاني من نقص واضح في الأبحاث والدراسات العلمية الكافية التي تضمن سلامة استخدامه بشكل دقيق وآمن.
ويقول "الشواف" إن كثيرًا من الأدوية الحديثة تعود أصولها بالفعل إلى النباتات والأعشاب، لكن الفارق أن العلماء تمكنوا من استخلاص المادة الفعالة المفيدة منها وتنقيتها، مع دراسة تأثيراتها الجانبية وتحديد الجرعات الآمنة لها.
ويضيف استشاري أمراض الباطنة والغدد، أن تناول العشب بصورته الكاملة يختلف عن تناول المادة الدوائية المنقاة، لأن النبات قد يحتوي، إلى جانب المادة المفيدة، على مركبات أخرى قد تكون ضارة أو تسبب آثارًا جانبية غير متوقعة لدى بعض الأشخاص.
نقص الدراسات يفتح باب الجدل
ويشير دكتور إسلام الشواف إلى أن الأعشاب تُسوّق غالبًا باعتبارها “بديلًا طبيعيًا ورخيصًا”، وهو ما يجعل شركات الأدوية والمؤسسات البحثية أقل اهتمامًا بتمويل دراسات موسعة عليها مقارنة بالأدوية التقليدية التي تُجرى عليها أبحاث مكلفة لضمان فعاليتها وأمانها.
لكنه يؤكد أن غياب الدراسات الكاملة لا يعني بالضرورة أن الأعشاب غير مفيدة، بل يعني أن المعلومات المتعلقة بالجرعات المناسبة والتداخلات الدوائية والآثار الجانبية لا تزال غير مكتملة بالشكل الكافي الذي يسمح باستخدامها بصورة عشوائية.
ويضيف أن الواقع الطبي شهد بالفعل حالات تعرضت لمضاعفات صحية نتيجة استخدام بعض وصفات الأعشاب، من بينها ارتفاع وظائف الكبد، وتدهور وظائف الكلى، وارتفاع ضغط الدم، وحدوث التهابات بالبنكرياس.
استجابة مختلفة من شخص لآخر
ويوضح "الشواف" أن المشكلة الأساسية تكمن في اختلاف طبيعة استجابة الجسم من شخص لآخر، مشيرًا إلى أن نفس العشب قد يفيد شخصًا معينًا بينما يسبب ضررًا لشخص آخر، بحسب الحالة الصحية والأدوية المستخدمة وطبيعة الجسم.
ويشدد على ضرورة عدم التعامل مع وصفات الإنترنت أو خلطات السوشيال ميديا باعتبارها بديلًا مضمونًا للعلاج الطبي، مؤكدًا أن استخدام الأعشاب يجب أن يتم بحذر وتحت إشراف متخصصين، خاصة لدى مرضى الأمراض المزمنة أو من يتناولون أدوية بصورة منتظمة.
السوشيال ميديا وصناعة "العلاج السريع"
بدوره، يحذر الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، من الانسياق وراء وصفات الطب البديل والإعلانات المنتشرة عبر القنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن كثيرًا من المرضى يلجأون إلى هذه الوسائل بدافع الرغبة في الوصول إلى علاج سريع وآمن دون الرجوع إلى الأطباء المختصين.
ويقول "فرويز" إن بعض الإعلانات تروج لفكرة أن الأعشاب والوصفات الطبيعية قادرة على علاج أمراض مزمنة مثل الضغط والسكر وأمراض الكلى والالتهابات، رغم عدم وجود أدلة علمية كافية تثبت فعاليتها في كثير من الحالات.
ويضيف أن بعض المروجين يعتمدون على أساليب دعائية مؤثرة نفسيًا، مثل الحلف بالأيمان أو تقديم شهادات شخصية مبالغ فيها عن الشفاء، وهو ما يخلق حالة من الاقتناع العاطفي لدى الجمهور.
لماذا يصدق الناس هذه الوصفات؟
ويرى "فرويز" أن التأثير النفسي يلعب دورًا مهمًا في انتشار وصفات الطب البديل، موضحًا أن كثيرًا من الأشخاص يقتنعون بسهولة بقصص فردية عن الشفاء، رغم أن التجارب الشخصية لا يمكن تعميمها علميًا.
كما يشير إلى أن "السوشيال ميديا" ساهمت في تحويل بعض البلوجرز أو المشاهير إلى مصادر للمشورة الصحية، رغم عدم امتلاكهم خلفية علمية أو طبية، وهو ما يدفع بعض المرضى إلى تأجيل العلاج الطبي حتى تتفاقم حالتهم.
ويضيف استشاري الطب النفسي أن الخوف من الآثار الجانبية للأدوية التقليدية يدفع بعض الأشخاص نحو وصفات الإنترنت، خاصة مع الانتشار الواسع لقصص وتجارب سلبية مرتبطة بالأدوية على مواقع التواصل.
بين الفائدة والتهويل
ويؤكد الدكتور جمال فرويز أن أي علاج طبي يجب أن يستند إلى دراسات وأبحاث علمية أُجريت على أعداد كبيرة من الحالات قبل اعتماده، موضحًا أن تعميم تجربة فردية أو حالتين فقط يُعد خطأً علميًا قد يعرّض حياة الآخرين للخطر.
وفي الوقت نفسه، يشدد الدكتور إسلام الشواف على أن وجود بعض المخاطر لا يعني رفض طب الأعشاب بالكامل، وإنما يتطلب التعامل معه بصورة علمية منظمة بعيدًا عن المبالغات أو التهويل.
أما الدكتور محمد عز العرب، فيدعو إلى تشديد الرقابة على الإعلانات المضللة والمنتجات مجهولة المصدر، وإنشاء جهة متخصصة لرصد وتسجيل حالات التسمم والأعراض الجانبية الناتجة عن الأعشاب والمكملات غير المعروفة.
أخبار متعلقة :