تعيش فرنسا، ولا سيما عاصمتها باريس، تحت وطأة موجة حرّ خانقة وعنيفة، دفعت بالبلاد إلى حافة الاستنفار الحكومي والصحي الأقصى، بعد أن قفزت درجات الحرارة المحسوسة في بعض المناطق إلى نصف درجة الغليان، ما تسبب في إصابة الحياة اليومية بشلل طال قطاعات التعليم والنقل والأنشطة الثقافية والرياضية، وسط مخاوف طبية ومناخية متصاعدة تنذر بتحول الصيف الفرنسي التقليدي إلى ساحة مواجهة مفتوحة وصادمة مع التغير المناخي.
موجة حرّ خانقة وعنيفة
وتعكس بيانات هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية خطورة الوضع الراهن؛ إذ تشير إلى أن درجات الحرارة الفعلية استقرت في مناطق عند 39 درجة مئوية، غير أن الرطوبة العالية والظروف البيئية المحيطة رفعت الدرجة المحسوسة إلى 49 درجة مئوية، لتتسع رقعة الخطر وتضع 58 إقليمًا فرنسيًا تحت مستوى التأهب "البرتقالي" هذه الجمعة، من بينها 53 إقليمًا بسبب موجة الحر الفائقة، و5 أقاليم تابعة لمنطقة "أوت-دي-فرانس" تواجه خطر العواصف الرعدية العنيفة.
وارتباطًا بهذه الأرقام القياسية، فجّرت هذه الموجة الحارقة سلسلة إلغاءات واسعة النطاق استهدفت حماية الصحة العامة، حيث أصدرت مديرية أمن باريس قرارات صارمة بمنع وتأجيل الفعاليات الرياضية المفتوحة في العاصمة وضواحيها، بل وصل الأمر إلى فرض حظر رسمي ضد بعض المنظمين الرافضين للتأجيل، ليمتد الإلغاء إلى فعاليات جماهيرية كبرى مثل "عيد الدراجات" وسباقات الجري المحلية، بالإضافة إلى تعديل مواعيد بطولة "لونجين العالمية لقفز الحواجز" للخيول عند أسفل برج إيفل لضمان سلامة الفرسان والجياد.
إلغاء الأنشطة الرياضية في الهواء الطلق
وفي مقابل هذه الإلغاءات الرياضية، أكد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز، أنه لن يكون هناك أي تشكيك في إقامة الاحتفالات المقررة خلال "عيد الموسيقى" السنوي رغم تزامنه مع ذروة الحرارة، مشيرًا إلى صدور توجيهات للمحافظين ومديري وكالات الصحة الإقليمية بالتواصل الوثيق مع المنظمين لاتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة، على أن تقرِّر كل جهة "بناءً على تقييم كل حالة على حدة" الإجراءات المحلية المناسبة، في وقتٍ تمسكت فيه الحكومة بتوصيتها الأساسية بإلغاء الأنشطة الرياضية في الهواء الطلق.
وامتد لهيب الطقس بشكل مباشر ليضرب القطاع التعليمي، حيث أعلن وزير التعليم إدوارد جيفراي، عن إغلاق 784 مؤسسة تعليمية، منها 150 مدرسة أُغلقت بالكامل نتيجة الارتفاع القياسي في درجات الحرارة، بينما خضعت باقي المؤسسات لترتيبات استثنائية تضمنت تسريح الطلاب في وقت مبكر من بعد الظهر لتجنيبهم ذروة السخونة، بالتوازي مع إعلان أكاديمية باريس عن احتمالية تأجيل بعض الامتحانات الشفوية والعملية لشهادة البكالوريا المهنية.
ولم يكن شريان النقل والمواصلات بمعزل عن هذه الفوضى المناخية، إذ تلقى قطاع النقل ضربة موجعة بعد أن أعلنت شركة السكك الحديدية الفرنسية إلغاء نحو 71 رحلة قطار كخطوة استباقية لتفادي الأعطال المفاجئة في أنظمة التكييف على خطوط رئيسية حيوية مثل (باريس-تولوز) و(باريس-كليرمون فيران)، نظرًا لاعتماد هذه الخطوط على مقطورات "كوريل" القديمة التي يبلغ متوسط عمرها 45 عامًا وتفتقر للمقاومة الهندسية اللازمة لهذه الحرارة الاستثنائية.
وتزامن ذلك مع قيود بيئية صارمة فرضتها الشرطة تحت مسمى "القيادة الانتقائية" في منطقة "إيل دو فرانس" (باريس وضواحيها) إثر الارتفاع الحاد لتلوث الهواء بغاز الأوزون، حيث قُيدت الحركة بالمركبات ذات الملصقات البيئية الفئوية المحدودة، وخُفضت السرعة الإلزامية على المحاور الرئيسية مع حظر أعمال البناء النهارية المسببة للتلوث.
وعلى الصعيد السياسي والتنفيذي، استدعى هذا المشهد المعقد تدخلًا من أعلى مستويات السلطة؛ حيث دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، المواطنين إلى توخي "اليقظة الشديدة" لمواجهة ما وصفها بـ"الأيام الصعبة".. فيما شدد وزير العمل على العقوبات القانونية الصارمة ضد أصحاب العمل غير الملتزمين بحماية العمال ومنع تشغيلهم في الساعات الحارقة وتوفير المياه لهم.
من جانبها.. فعّلت وزارة الصحة الرقم الأخضر المجاني للإرشادات، وأعلنت الوزيرة ستيفاني ريست، عن تعزيزات استثنائية وديناميكية لأقسام الطوارئ وضاعفت طواقم خدمة الإسعاف الطبي في باريس لمواجهة التدفق المتوقع لحالات الإغماء، خاصة مع استمرار بعض الأنشطة الفنية الكبرى، في حين أكد نائب رئيس الخدمة بينوا فيفيان، أن التأثير الحقيقي للموجة على قطاع الإسعاف يظهر عادة بوضوح في نهاية اليوم الثالث أو الرابع.
وأمام هذا الضغط الخانق وفي خطوة غير تقليدية لامتصاص وطأة الحرارة.. أعلن عمدة باريس إيمانويل جريجوار، السماح للمواطنين بالسباحة في جزء من قناة "سان مارتن" شرق العاصمة كوسيلة حقيقية للانتعاش، موضحًا أنه من غير المنطقي استنزاف طاقة رجال الشرطة لمنع الشباب من التبرد بالماء والحرارة تلامس الأربعين درجة في شوارع العاصمة.
بلوغ الحرارة 50 درجة مئوية في باريس قد يصبح واقعًا
ووسط هذه الأزمة المناخية المتكاملة الأركان.. حذرت الخبيرة الفرنسية المتخصصة في التحول البيئي ماغالي ريجيزا-زيت، من أن هذه الموجات الحارقة لم تعد حدثًا عابرًا، بل هي إنذار حقيقي بتضاعف الظواهر المتطرفة، مؤكدة أن بلوغ الحرارة 50 درجة مئوية في باريس قد يصبح واقعًا اعتياديًا تعيشه العاصمة بحلول عام 2050.
ومع تحول الطقس في هذا البلد الأوروبي إلى درجات حرارة لاهبة بالصيف، تواجه فرنسا حقيقة قاسية تتمثل في افتقار بنيتها التحتية والمنازل وبعض وسائل المواصلات ومبانيها لا سيما القديمة لوسائل التبريد والمكيفات؛ لتصبح هذه الموجات بمثابة اختبار حقيقي للبلاد في مواجهة المستقبل، وتأكيدًا عمليًا لتنبؤات الخبراء بأن التغير المناخي أصبح خطرًا لا مفر منه، ما يفرض على الجميع إعادة ترتيب أولويات العيش والاستعداد الجذري لمواجهته والتكيف مع أجوائه القادمة.
أخبار متعلقة :