رغم عمله في الصحافة، كان عباس محمود العقاد (1889- 1964 م) من أبرز المدافعين عن حرية الوطن واستقلاله، وخاض معارك سياسية وفكرية حامية مع القصر الملكي، الأمر الذي ذاع معه صيته وانتُخب عضوًا بمجلس النواب.
ومن المحطات اللافتة في حياته، ما كشف عنه شوقي ضيف في كتابه «مع العقاد»، الصادر ضمن سلسلة «اقرأ» عن دار المعارف، حيث أشار إلى أن العقاد عمل في الرقابة على الصحف لمدة ستة أيام فقط.
يقول ضيف: «عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، وكانت الأحكام العرفية قد فُرضت بالفعل ووضعت الصحف تحت الرقابة، لم يجد عباس محيصًا من البقاء في بلدته أسوان، بعدما عُطلت معظم صحف القاهرة، وأُخضعت الصحف الباقية لقيود مشددة. كما مضت السلطة العرفية في سجن ونفي الوطنيين المخلصين إلى أوروبا أو إلى جزيرة مالطة».
ويضيف أن ناظر مدرسة المواساة الإسلامية في أسوان كان من بين الذين نُفوا إلى مالطة، فخلفه العقاد في منصبه تحديًا للسلطة الغاشمة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ هاجم العقاد مدير أسوان وبعض المسؤولين المحليين، بعدما كانوا يرتادون ناديًا تجاوز رواده حدود المباح، فكتب مقامة ساخرة بعنوان «نادي العجول»، صاغها بأسلوب هجائي لاذع، وجاء في مطلعها على لسان مدير النادي: «إن العجل مدني بالطبع، ونحن قد ميزنا الله على بني آدم بضخامة الأجسام وصلابة القرون».
وسرعان ما انتشرت المقالة على ألسنة الناس، ما أثار غضب مدير أسوان، الذي استعان بمفتش الداخلية الإنجليزي ضد العقاد، ففرضت عليه الإقامة الجبرية ووُضع تحت مراقبة مشددة. لكن العقاد واصل كتابة الشكاوى إلى جعفر والي، موضحًا ما يتعرض له من ظلم وتعسف وفساد.
وفي عام 1915، تمكن العقاد من الفرار إلى القاهرة، حيث التقى جعفر والي وأطلعه على حقيقة ما جرى في أسوان، فأصدر الأخير قرارًا بإحالة مدير أسوان إلى المعاش ونقل المفتش الإنجليزي من المدينة.
ولما علم جعفر والي أن العقاد يبحث عن عمل، عرض عليه وظيفة في رقابة الصحف، تقديرًا لأدبه ومكانته الفكرية. غير أن العقاد لم يستمر في هذا المنصب سوى ستة أيام، إذ تلقى عدة تنبيهات بشأن أخبار نُشرت وكان ينبغي منع نشرها، ثم اصطدم بالرقيب الإنجليزي، فبادر بتقديم استقالته التي قُبلت على الفور.
وبعد خروجه من العمل في الرقابة، وفي ظل ما كانت تعانيه الصحافة آنذاك من تعطيل وتقييد، اتجه العقاد إلى التدريس في المدارس الحرة، حيث عمل مع صديقه إبراهيم عبد القادر المازني في المدرسة الإعدادية الثانوية الأهلية، وقاما بتدريس التاريخ والترجمة.
وقد أطلق عليه طلابه لقب «الكاهن حرحور»، في إشارة إلى ما كان يتصف به من وقار وهيبة وشدة.
أخبار متعلقة :