موقع تن لاينز الإخباري

اقتصاد الظل في القمامة.. كيف يدير الفريزة والنباشون سوقًا بمليارات الجنيهات؟

حملات مكثفة يتم شنّها في عدد من المحافظات للقضاء على ظاهرة الفريزة والنباشون داخل الكتل السكنية، وذلك للحفاظ على الصحة العامة والحد من التلوث البيئي، ويُقصد بهم الأشخاص الذين يقومون بفرز القمامة من أماكن تجمعها للحصول على منتجات يمكن بيعها والاستفادة منها.

 

الخطر من هذه المهنة معروف وواضح دائمًا نتيجة انتشار القمامة، إلا أن لهذه المهنة جانبًا خفيًّا آخر، وهو الجانب الاقتصادي الذي أصبحت تعمل به شريحة كبيرة من المواطنين في مختلف المحافظات.

 الفريزة والنباشون عصب القطاع غير الرسمي 

"هذا الملف غاية في الأهمية والعمق"، بهذه الكلمات شرح الدكتور خالد رحومة، الخبير الاقتصادي، مهنة النباشين والفريزة في تصريحاته لـ"الدستور"، موضحًا أن قطاع الفريزة والنباشون ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هو عصب القطاع غير الرسمي لإدارة المخلفات في مصر، والذي يقوم تاريخيًا بعبء جمع وإعادة تدوير النسبة الأكبر من النفايات، خاصة النفايات الصلبة، بكفاءة تفوق أحيانًا المنظومات الرسمية الحديثة.

 

وأوضح رحومة، أن هذا النشاط يُصنَّف ضمن الاقتصاد غير الرسمي في مجال إعادة التدوير القائم على المجتمع، ويتميز هذا القطاع بأنه كثيف العمالة، ويعتمد على مهارات متوارثة، ويتسم بمرونة كبيرة في مواجهة الأزمات الاقتصادية، وبالرغم من صبغته غير الرسمية، إلا أنه يمثل "شبكة أمان اجتماعي" لآلاف الأسر، ويوفر مواد خامًا رخيصة ومحلية بالكامل لقطاع الصناعات التحويلية (مثل مصانع البلاستيك والورق والزجاج ورقائق الألومنيوم)، مما يقلل من فاتورة استيراد هذه المواد من الخارج.

كيف يدير النباشون سوقًا بمليارات الجنيهات؟

وأضاف أن البيانات الرسمية الدقيقة غير متوفرة بسبب طبيعة النشاط النقدية (الكاش)، لكن المؤشرات والبحوث التقديرية مثل تقارير وزارة البيئة ومؤسسات العمل المدني تشير إلى أرقام ضخمة، حيث تولِّد مصر سنويًّا ما يقرب من 22 إلى 26 مليون طن من المخلفات البلدية الصلبة.

كيف يدير النباشون سوقًا بمليارات الجنيهات؟

وتابع: يتعامل القطاع غير الرسمي الفريزة والنباشون مع نسبة تتراوح بين 40% إلى 50% من هذه المخلفات في المدن الكبرى مثل القاهرة والجيزة، كما تُقدَّر القيمة السوقية للمواد القابلة لإعادة التدوير المتداولة في هذا السوق الموازي بمليارات الجنيهات سنويًّا، إذ تشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى مبالغ تتراوح بين 5 إلى 10 مليارات جنيه كحجم تداول سنوي، يشمل أجور العمالة، وعمليات الفرز، وتجارة الوسطاء، وأرباح مصانع التدوير الصغيرة.

رحلة عمل الفريزة والنباشون

وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن سلسلة القيمة في هذا القطاع دقيقة وصارمة للغاية، وتتحرك كالتالي: الجمع الأولي (النباشون والفريزة) من خلال نبش الحاويات في الشوارع أو الجمع من المنبع (البيوت والمحلات)، ثم الفرز والتصنيف (في المقالب العشوائية) حيث يتم فصل المواد بدقة شديدة (بلاستيك عالي الكثافة، بلاستيك منخفض الكثافة، علب ألومنيوم، حديد، كرتون، زجاج)، يلي ذلك مرحلة التجهيز الأولي (التكسير/الكبس)، عبر تجميع المواد وتشغيل ماكينات بسيطة مثل "مكابس الكرتون" أو "خرامات البلاستيك" لتحويل المخلفات إلى بالات أو حبيبات أولية لتقليل الحجم وتسهيل النقل.

كيف يدير النباشون سوقًا بمليارات الجنيهات؟

ثم تأتي مرحلة التجار الوسطاء (كبار التجار/معلمو السوق)، الذين يشترون الكميات الضخمة المكبوسة من الفريزة بأسعار يومية محددة، وأخيرًا المصانع (المستهلك النهائي) التي تقوم بتوريد هذه المواد الخام إلى مصانع إعادة التدوير، سواء كانت ورشًا صغيرة غير رسمية أو مصانع كبرى رسمية تبحث عن خام محلي رخيص.

 

وذكر رحومة أن هناك شبكات منظمة أو سوقًا موازية تتحكم في الأسعار، فالسوق ليس عشوائيًّا كما يبدو من الظاهر، بل يديره ما يُسمى بـ"كبار التجار أو المعلمين"، مع وجود تقسيم جغرافي شبه نفوذي (مربعات سكنية ومقالب معينة تتبع تجارًا بعينهم)، والأسعار لا تُحدد جزافًا، بل ترتبط بآليتين؛ هما البورصة العالمية للمواد الخام التي تحدد أسعار البلاستيك والحديد والكرتون، وسعر صرف الجنيه.

 

واستكمل أن السوق يخضع لاحتكار القلة، حيث يتحكم كبار التجار في تحديد سعر الشراء اليومي من النباشين الصغار، مستغلين حاجتهم للكاش اليومي، مما يضمن لهم هوامش ربح مرتفعة عند إعادة البيع للمصانع.

الخسائر الاقتصادية لنشاط الفريزة والنباشون

وعن حجم الخسائر الاقتصادية التي تتحملها الدولة نتيجة خروج هذا النشاط خارج الإطار الرسمي، أوضح الخبير الاقتصادي أن الدولة تتحمل خسائر مباشرة وغير مباشرة، تشمل الفرصة البديلة لفقدان العوائد الضريبية، والتي تتمثل في مليارات الجنيهات التي تدور في حلقة نقدية مغلقة دون دفع ضرائب دخل أو ضرائب قيمة مضافة، بالإضافة إلى تكلفة التدهور البيئي والصحي الناتج عن عشوائية الفرز وحرق المواد عديمة القيمة المخلفات غير القابلة للتدوير، ما يتسبب في تلوث كبير، ويرفع الفاتورة العلاجية للمواطنين التي تتحملها الدولة عبر المستشفيات العامة والتأمين الصحي.

وأكد أن هذا النشاط يترتب عليه إهدار قيمة المخلفات العضوية، إذ يركز النباشون على المخلفات الصلبة ذات القيمة البيعية فقط، ويتركون المخلفات العضوية (بقايا الطعام) تتراكم في الشوارع، مما يرفع تكلفة عقود النظافة التي تدفعها الدولة لشركات الجمع الرسمية لنقل هذه المخلفات إلى المدافن الصحية، ويُضيع فرص استخدامها في توليد مصادر طاقة مثل الميثان أو استخدامها كأعلاف.

الأثر السلبي لمهنة  الفريزة والنباشون

وشدد رحومة على أن مهنة النباشين والفريزة يترتب عليها أثر سلبي ومزدوج؛ الأول على المنظومة الضريبية، إذ يحدث ما يسمى التشوه الضريبي، حيث تجد الشركات الرسمية العاملة في إعادة التدوير صعوبة في الحصول على فواتير ضريبية للمواد الخام التي تشتريها من السوق غير الرسمي، مما يعوق نموها ويدفع بعضها للتحايل أو الخروج من السوق.

 

كيف يدير النباشون سوقًا بمليارات الجنيهات؟

 

أما الأثر السلبي الثاني فيتمثل في مجال الاستثمارات الرسمية، حيث يمثل القطاع غير الرسمي منافسًا شرسًا وغير عادل للمستثمرين الشرعيين، فالمستثمر الرسمي يتحمل تكاليف التراخيص والبيئة والتأمينات الاجتماعية والضرائب واشتراطات السلامة والصحة المهنية، بينما لا يتحمل النباش أو التاجر غير الرسمي أيًّا من هذه التكاليف، مما يجعله قادرًا على خفض الأسعار والتحكم في توريد الخام، وهو ما يطرد الاستثمارات الأجنبية أو المحلية الكبرى الراغبة في دخول منظومة تدوير المخلفات في مصر.

 

حلول السيطرة على الفريزة والنباشون

وعن الحلول الممكن تنفيذها للسيطرة على مهنة النباشين والفريزة، اقترح الخبير الاقتصادي أن الحل ليس في "إقصاء" هؤلاء النباشين، بل في "دمجهم" داخل القطاع الرسمي، خاصة أن قانون تنظيم إدارة المخلفات الجديد في مصر (رقم 202 لسنة 2020) والمنظومة الجديدة يحاولان بالفعل تقنين أوضاعهم عبر منحهم تراخيص ودمجهم كشركات جمع صغيرة؛ لأن إقصاءهم قد يؤدي إلى انهيار شبكة الفرز من المنبع التي يعتمد عليها قطاع الصناعة حاليًّا.

أخبار متعلقة :