موقع تن لاينز الإخباري

من حرب البسوس إلى مدينة الأحلام.. المسرح يجمع التراث والخيال على خشبات الثقافة المصرية

في مشهد ثقافي متنوع يجمع بين التراث الشعبي والخيال المسرحي وقضايا الإنسان الكبرى، تواصل الهيئة العامة لقصور الثقافة تقديم عروضها المسرحية بمختلف المحافظات، لتؤكد أن المسرح لا يزال أحد أهم أدوات التنوير وصناعة الوعي، وقادرا على مخاطبة الجمهور بمختلف فئاته وأعمارهم، من خلال نصوص تستلهم التاريخ والموروث الشعبي، وأخرى تنطلق إلى عوالم الفانتازيا والخيال لتنقل رسائل تربوية وإنسانية عميقة.


وفي محافظة الدقهلية، أسدل الستار على عروض شرائح المسرح للموسم الحالي بعرض "كليب" لفرقة فلاحين المنصورة المسرحية، الذي احتضنه مسرح أم كلثوم بقصر ثقافة المنصورة وسط حضور جماهيري لافت. واستعاد العرض واحدة من أشهر الحكايات في التراث العربي، وهي حرب البسوس التي اندلعت بين قبيلتي بكر وتغلب، متتبعا صعود كليب بن ربيعة إلى قمة النفوذ والسلطان، ثم التحولات الدرامية التي أعقبت حادثة ناقة البسوس وانتهت بمقتله على يد جساس بن مرة.


ولم يكتف العرض بسرد الوقائع التاريخية، بل قدم قراءة إنسانية عميقة تكشف كيف يمكن للغضب والتعصب والثأر أن يحولوا خلافا محدودا إلى مأساة ممتدة عبر الأجيال. كما حضرت شخصية الزير سالم بوصفها رمزا لدوامة الانتقام التي تلتهم الجميع، لينتهي العمل برسالة واضحة مفادها أن الحروب لا تصنع منتصرين حقيقيين، وأن الحكمة والتسامح هما الطريق الوحيد لحماية المجتمعات من الانهيار.


وأكد المخرج أحمد عبد الجليل أن النص التراثي يحمل دلالات تتجاوز زمنه التاريخي، موضحا أن الرؤية الإخراجية سعت إلى إبراز القيم الإنسانية الكامنة في العمل، وإعادة طرح أسئلة الصراع والعنف والثأر في ضوء الواقع المعاصر، بما يجعل العرض أكثر قربا من الجمهور وأكثر قدرة على إثارة التأمل.


وفي قصر ثقافة القناطر الخيرية، تواصلت فعاليات الدورة الثانية من المهرجان الختامي لنوادي مسرح الطفل، "دورة الفنانة صفاء أبو السعود"، بعرض "رحلة زمردة" لفرقة قصر ثقافة القناطر الخيرية، الذي قدم مغامرة فانتازية مشوقة جمعت بين الدراما والاستعراض والموسيقى.


وتدور أحداث العرض حول "زمردة" التي تجد نفسها متهمة مع صديقتها "كهرمانة" بسرقة جوهرة الملكة، فتخوض رحلة شاقة للبحث عنها وإثبات براءتها. وخلال رحلتها تلتقي بشخصيات مختلفة تمثل نماذج متباينة للحياة، من تاجر ثري يفتقد السعادة، إلى عالم يحتكر المعرفة، وصولا إلى راع بسيط يعيش راضيا بما يملك.


ومن خلال هذه الرحلة، يقدم العرض مجموعة من القيم الإنسانية والتربوية للأطفال، أبرزها التعاون والشجاعة والعطاء والرضا، مؤكدا أن السعادة الحقيقية لا ترتبط بالثروة أو النفوذ، بل بما يقدمه الإنسان من خير للآخرين. وقد اعتمدت الرؤية الإخراجية على عناصر بصرية متنوعة، منها المسرح الأسود وتقنيات المابينج والاستعراضات الحركية، بما أضفى حالة من الإبهار البصري الملائمة لجمهور الأطفال.


وتستكمل فعاليات المهرجان اليوم بعرض "جنينة الأحلام" لفرقة قصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية، وهو عمل يدور حول مجموعة من الأطفال ينتقلون أثناء نومهم إلى مدينة الأحلام، حيث تتصارع قوى الخير والشر، ومن خلال سلسلة من المغامرات والمواقف المشوقة، يكتشف الأطفال أن اختياراتهم الشخصية هي التي تحدد مصائرهم، سواء داخل الحلم أو في الواقع.


ويطرح العرض فكرة تربوية مهمة تتمثل في مسؤولية الإنسان عن قراراته، معتمدا على أجواء خيالية واستعراضية تتيح مخاطبة الطفل بلغة ممتعة تجمع بين الترفيه والتعليم، في إطار رؤية تسعى إلى غرس القيم الإيجابية وتعزيز الخيال والإبداع.


وفي جنوب الصعيد، شهد قصر ثقافة قنا تقديم العرض المسرحي "سلاطين الهلايل" لفرقة قصر ثقافة نجع حمادي، المستوحى من أجواء السيرة الهلالية، أحد أبرز روافد التراث الشعبي العربي. ويتناول العمل محاولة دياب بن غانم الاستيلاء على حكم تونس والزواج من سعدى بعد مقتل الزناتي خليفة، غير أن أطماعه تصطدم برفض سعدى واستنجادها ببني هلال لإنقاذها من سطوته.


ويعيد العرض إحياء عالم السيرة الهلالية بما يحمله من بطولات وصراعات وقيم شعبية راسخة، مقدما معالجة مسرحية تستلهم الموروث الشعبي وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة في قالب فني معاصر.


وتكشف هذه العروض، على اختلاف موضوعاتها وأشكالها الفنية، عن تنوع الرؤى التي تتبناها الحركة المسرحية داخل قصور الثقافة، حيث يلتقي التاريخ بالخيال، والتراث الشعبي بالقضايا الإنسانية، ومسرح الطفل بالمسرح الجماهيري، في محاولة مستمرة لتوسيع دائرة المشاركة الثقافية والوصول بالفن إلى مختلف المحافظات، وبين مأساة الثأر في "كُليب"، ورحلة البحث عن السعادة في "زمردة"، وأحلام الأطفال في "جنينة الأحلام"، وبطولات السيرة الشعبية في "سلاطين الهلايل"، يظل المسرح حاضرا بوصفه مساحة للمعرفة والدهشة وإعادة اكتشاف الإنسان.

أخبار متعلقة :