في تاريخ الأمم لا تقاس التحولات الكبرى فقط بحجم ما تم تشييده من طرق وكباري ومدن جديدة؛ بل بقدرة هذه الإنجازات على إنتاج اقتصاد قوي ومستدام وقادر على المنافسة عالميا، وتقف مصر اليوم في واحدة من أكثر لحظاتها التاريخية حساسية حيث انتهت مرحلة البناء الواسع وبدأت مرحلة الاختبار الحقيقي.
بعد عقد من البناء.. هل تبدأ مصر عصر الحصاد الاقتصادي؟.. منجي بدر يطرح خريطة التحول نحو الإنتاج والتصدير
وأعلن الوزير المفوض الدكتور منجى بدر عضو الجمعية الامم المتحدة للاقتصاد السياسي والتشريع، أن نجاح مصر خلال 10 سنوات الماضية في تنفيذ واحدة من أضخم عمليات تطوير البنية التحتية في تاريخها الحديث حيث شبكة طرق عملاقة ومدن جديدة وتوسعات في الطاقة ومشروعات زراعية وصناعية وتطوير لوجستي غير مسبوق لكن السؤال كيف يتم تحويل كل هذا البناء إلى قوة اقتصادية حقيقية؟ وهذه هي لحظة التحول من دولة تُشيّد إلى دولة تُنتج وتصدر وتنافس
واستعرض الوزير المفوض فى تصريحات خاصة لـ" الدستور"، أن المعادلة الاقتصادية في مصر لم تعد تحتمل التأجيل فالبنية التحتية مهما بلغت قوتها ليست هدفًا في حد ذاتها بل وسيلة لتحفيز الإنتاج والمطلوب اليوم هو انتقال جذري من اقتصاد يعتمد على الإنفاق الحكومي والمشروعات إلى اقتصاد قائم على التصنيع والتصدير والقيمة المضافة وهذا يتطلب إعادة توجيه ما لا يقل عن 50% من الاستثمارات المستقبلية نحو الصناعة والتكنولوجيا والزراعة الحديثة وربط كل مشروع قومي بعائد اقتصادي مباشر وقابل للقياس مع انعاش لدور القطاع الخاص والتركيز على الشباب.
قناة السويس من ممر ملاحي إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي في قلب الجمهورية الجديدة
وصرح د. منجي بدر، أن تمثل قناة السويس أحد أهم الأصول الاستراتيجية في العالم لكنها اليوم تقف أمام فرصة تاريخية للتحول من مجرد ممر ملاحي إلى محور اقتصادي عالمي وهنا تظهر الرؤية الأكثر جرأة وهى الاستمرار فى تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى واحدة من أكبر المناطق الصناعية واللوجستية في العالم عبر جذب صناعات متقدمة مثل الطاقة النظيفة والإلكترونيات والسيارات والهيدروجين الأخضر.
100 مليار دولار صادرات هدف مصر خلال 5 سنوات
وكشف عضو جمعية الأمم المتحدة، أنه لا يمكن لأي اقتصاد أن يصبح قويا دون طفرة تصديرية ورغم التحسن الملحوظ في الصادرات المصرية فإن الطموح الحقيقي يجب أن يتجاوز الأرقام الحالية نحو هدف استراتيجي واضح وهو الوصول إلى 100 مليار دولار صادرات خلال خمس سنوات وتحقيق هذا الهدف وكشف أن يتطلب إعادة هيكلة دعم الصناعة التصديرية وربط الحوافز الحكومية بمعدلات التصدير والتوسع في الأسواق الأفريقية حيث لا يقاس الاقتصاد بحجم الإنتاج فقط بل بقدرته على اختراق الأسواق العالمية.
وأعلن أن الريف المصري من التنمية إلى الإنتاج وتمثل مبادرة “حياة كريمة” أحد أكبر مشروعات التنمية الريفية في العالم لكنها في مرحلتها القادمة يجب أن تتحول من مشروع لتحسين جودة الحياة إلى مشروع لصناعة الاقتصاد والمرحلة الثانية يجب أن تركز على إنشاء مناطق صناعية صغيرة داخل القرى ودعم التصنيع الزراعي وربط القرى بالأسواق العالمية عبر التجارة الرقمية وخلق “اقتصاد القرى” بدلًا من “قرى الاستهلاك” والهدف الحقيقي ليس رفع مستوى المعيشة فقط بل تحويل الريف إلى قوة إنتاجية.
سيناء 2035.. رؤية لتحويل شبه الجزيرة إلى مركز عالمي للصناعة والطاقة والسياحة
وأردف الوزير المفوض، أن سيناء فرصة اقتصادية لا تقل عن أهميتها الاستراتيجية فسيناء ليست فقط ملفًا أمنيًا بل أحد أهم الأصول الاقتصادية وتتطلب الرؤية المستقبلية الاستمرار فى تحويلها إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي ضمن تصور “سيناء 2035” من خلال إنشاء مناطق صناعية موجهة للتصدير وربطها بالموانئ العالمية وجذب الاستثمارات في الطاقة والتعدين والسياحة البيئية والعلاجية.
وأوضح الدكتور منجي بدر، أن المدن الجديدة من البنية إلى العائد وبعد تحقيق فائض في الطاقة لم يعد التحدي في الإنتاج بل في التصدير والاستغلال الاقتصادي فمشروعات مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية فى أسوان تمثل قاعدة قوية للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة النظيفة، مؤكدًا أن وفي المقابل فإن المدن الجديدة وعلى رأسها العاصمة الجديدة يجب ألا تتحول إلى مجرد تجمعات سكنية بل إلى مراكز إنتاج حقيقية مرتبطة بالصناعة والتكنولوجيا والخدمات المالية.
الاقتصاد القادم في مصر يعتمد على الشباب والذكاء الاصطناعي والشركات الناشئة
ويرى الوزير المفوض، أن الاقتصاد القادم هو اقتصاد الشباب والشركات الناشئة لأن المستقبل لن يبنى فقط بالمصانع والزراعة بل بالابتكار والذكاء الاصطناعى لذلك يجب تحويل مصر إلى منصة إقليمية للشركات الناشئة في أفريقيا من خلال تمويل ريادة الأعمال ودعم التكنولوجيا وتأسيس بيئة تشريعية مرنة وربط الجامعات بسوق العمل.
واستطرد د. منجي بدر قائلًا أن مصر اليوم لا تواجه أزمة بناء بل تواجه تحدي التحول حيث تم بناء الأساس لكن القيمة المضافة الحقيقية لم تبدأ بعد بالقدر المطلوب والاقتصاد المصري يقف أمام خيارين: إما التحول إلى اقتصاد إنتاجي تنافسي قادر على التصدير أو البقاء في دائرة الإنجاز العمراني دون عائد اقتصادي.
ونوه قائلا: “كيف نتحول من البناء إلى الحصاد حيث انتهى زمن بناء الأساسات وبدأ زمن التحول إلى قوة اقتصادية فالدول لا تقاس بما تبنيه فقط بل بما تنتجه وتتصدره وتنافس به عالميا واليوم تمتلك مصر فرصة نادرة تتمثل فى بنية تحتية قوية وموقع جغرافي استراتيجي وسوق كبير ولكن الفرصة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى إنتاج حقيقي واللحظة ليست لحظة احتفال بالبناء بل لحظة قرار اقتصادي تاريخي إما أن تتحول الجمهورية الجديدة إلى قوة إنتاج عالمية أو تبقى إنجازاتها أكبر من عوائدها والتاريخ".
أخبار متعلقة :