موقع تن لاينز الإخباري

كيف افتأتَ سيد قطب على مقام النبوة!

بعيدا عما كتبه خصومُه ومنتقدوه، وبعيدا عن الأعمال الدرامية، وبنص ما كتبه هو فى معالم طريقه الضال، يثيرنى جدا عدم تسليط الضوء على أسوأ جرائم هذا الرجل. ناقَشوا ضلالاته بتكفير المجتمعات المسلمة بشعوبها ومؤسساتها وحكامها، لكنهم مروا مرورا عابرا على تلك الجريمة..افتئاته على مقام النبوة الكريمة.

(1)

مجمل ما أوصله إليه جنونُه هو أن الجاهلية (الكفر) تتجسد فى (تجمع عضوى حركى) هو المجتمع ومؤسساته وقوانينه وحكامه وفنونه وقيمه ودساتيره وكل ما يتعلق ويرتبط به. وأن المجتمعات المسلمة المعاصرة له ليست بمسلمة ولو نطق أهلها بالشهادة ومارسوا الشعائر الدينية وهى تجسيد لفكرة وعقيدة الجاهلية (الكفر) وهى ومجتمع كفار مكة سواء بسواء. وأن على هذه المجتمعات أن تعيد اعتناقها للإسلام مجددا. ولكى يعود هذا التجمع العضوى للإسلام أو يعتنق الإسلامَ مجددا فيلزم (أن ينشأ تجمع عضوى حركى آخر غير المجتمع الجاهلى القائم، منفصل ومستقل عن التجمع العضوى الحركى الجاهلى الذى يستهدف الإسلامُ إلغاءَه، تماما كما حدث فى مكة وقت ظهور الإسلام)

ثم نصل للفقرات الأخطر الخاصة بمقام النبوة، والتى أتعجب كثيرا لعدم توقف أحدٍ حتى خصوم سيد قطب عنها بما تستحقه من توقف..يقول نصا مستكملا فكرته السابقة (وأن يكون محور التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة فى رسول الله (ص)...ومن بعده فى كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وشريعته.)

بمنتهى البساطة يساوى قطب بين مقام الرسول (ص) المبعوث برسالة إلهية وبوحى من السماء وبين كل قيادة تستهدف – من وجهة نظره وحسب مفهومه الذى صاغه عن حاكمية الله - رد الناس إلى الإسلام! هذه العبارات تمنح تلك القيادات المزعومة حقا إلهيا خالصا. كلامٌ يتضاد صراحة مع الآيات القرآنية عن اكتمال الدين بانقطاع الوحى، ويتضاد مع ما نعرفه من خصائص منحها الله للرسول (ص) بصفته يوحى إليه من السماء. فالرسول (ص) لا ينطق عن الهوى وكلامه فيما يتعلق بالرسالة وحىٌ خالص من السماء، وحتى الخلفاء الراشدين الذين خلفوا النبى (ص) فى حكم الدولة الناشئة كانوا يتحرجون من لقب (خليفة) الرسول(ص) ويفضلون لقب خالفه أى من تبعه زمنيا فى حكم المسلمين. لا عبارات سيد قطب ولا فكرته التى أسهب فى عرضها فى فصول كتابه الضال يقدمون أى تفصيل لكيفية وصف أى إنسان بأنه (قيادة تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله) فمن الذى يحدد هذا؟ وما مقاييس هذا التحديد؟ عباراتٌ تفتح الباب على مصراعيه للتناحر، فيمكن لأى مجموعة من العوام أن تقرر تكوين (تجمع حركى عضوى) ثم تنتخب فيما بينها شخصا تخلع عليه هذه الصفة (قيادة تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله)، ثم تمنح هذا الشخص حقوقا إلهية بصفته يحل محل الرسول (ص). فبمقتضى هذه الحقوق يمكن لهذا الشخص أن يحكم بشكل مطلق بأن هذا أو ذاك يجوز قتله لأنه يعارض قيام هذه المجتمع المسلم! ثم تنشأ مجموعة أخرى، ومجموعة ثالثة وهكذا..وكل منها تزعم أنها هى التى تمثل هذا التجمع الحركى العضوى. وهذا ما حدث بالفعل فى العقود الأخيرة حين كانت هذه الجماعات تتناحر فيما بينها وتهدر دماء كل من يخالفها فى الفكر – سواء من عوام الناس أو أعضاء التجمعات أو الجماعات الأخرى - استنادا إلى خرافة الحق الإلهى الذى منحته لزعيمها بصفته من يخلف النبى (ص) لنشر دعوة الإسلام من جديد!

(2)

عبارات سيد قطب التالية تصرح بذلك ولا تلمح (وأن يخلع كل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولاءَه من التجمع الحركى الجاهلى – أى التجمع الذى جاء منه – ومن قيادة ذلك التجمع – فى أى صورة كانت، سواء كانت فى صورة قيادة دينية من الكهنة والسدنة والسحرة والعرافين ومن إليهم، أو فى صورة قيادة سياسية واجتماعية واقتصادية كالتى كانت لقريش – وأن يحصر ولاءه فى التجمع العضوى الحركى الإسلامى الجديد...وفى قيادته المسلمة) نحن إذن أمام افتئاتٍ صريح على النص القرآنى الكريم، وعلى مقام النبوة الكريمة ومنح قداسة لهذه القيادة - التى نعلم طبقا لباقى فصول الكتاب، وطبقا لتزعم سيد قطب لجماعة الإخوان فى توقيت نشره للكتاب – أنها ليست إلا هو شخصيا! فالتجمع الحركى العضوى الذى يتحدث عنه هو جماعته التى تزعمها، وطبقا لهذا الإفتئات يكون هو هذه القيادة التى منحها حقوقَ ومكانة النبوة! كيف لم يُحاكَم هذا الرجل وقتها لاقترافه جريمة ادعاء النبوة؟ كيف لم يقاضى علماءُ الأزهر وقتها هذا الرجلَ كما حاولوا مقاضاة طه حسين قبلها بتهمة أقل وطأ مما كتبه قطب؟ كيف لم ينتفض بعضُهم وقتها غضبا من أجل الدفاع عن مقام النبوة الذى تطاول عليه سيد قطب وحاول النزول به والمتاجرة به لتحقيق مآرب سياسية ضالة وتحقيق زعامة شخصية لشخصٍ مهوس بنفسه وذاته؟! أنا هنا لا أتحدث عن جريمته بتكفير المسلمين، لأن الكثير قد كُتبَ عن ذلك، لكننى أتحدث فقط عن مروره وقتها بفعلته، وعدم تصدى رجال المؤسسة الدينية الأهم للدفاع عن النبى (ص)؟

(3)

يسهب سيد قطب أكثر من موضع من الكتاب فى تحديد الحقوق التى منحها لتلك القيادة المزعومة كبديل للنبى (ص) - والتى منحها لنفسه بطريق غير مباشر حين تزعم هو ما وصفه بالتجمع العضوى الحركى المسلم أو الجماعة – فيقول فى إحدى تلك المواضع..(وجود المجتمع المسلم لا يتحقق بمجرد قيام القاعدة النظرية فى قلوب أفراد مهما تبلغ كثرتهم، ما داموا لا يتمثلون فى تجمع عضوى متناسق متعاون له وجود ذاتى مستقل، يعمل أعضاؤه عملا عضويا كأعضاء الكائن الحى على تأصيل وجوده وتوسيعه والدفاع عن كيانه ضد العوامل التى تهاجم وجوده وكيانه...ويعملون هذا تحت قيادة مستقلة عن قيادة المجتمع الجاهلى..تنظم حركتهم وتنسقها وتوجههم لتأصيل وتعميق وتوسيع وجودهم الإسلامى..ولمقاومة ولمكافحة وإزالة الوجود الآخر الجاهلى.) حاول قطب فى هذا الكتاب استعمال بعض الألفاظ التى ستكون عصية قطعا على الفهم من جانب القراء العامة لتخفيف ما يعلم هو حقيقته مثل (تجمع عضوى حركى)..(إزالة الوجود الآخر)..فعل ذلك عمدا لأنه يدرك ما تعنيه الكلمات وخطورتها..ولأنه كان يوجه حديثه بشكل حصرى لأتباعه الذين يدركون شفرة هذه العبارات.. هذه العبارات تعنى بشكل مبسط أن الجماعة التى منحت لنفسها وهم مساواة جماعة الصحابة فى صدر الإسلام وتحت قيادة تقوم مقام النبى (ص) عليها أن تبدأ دعوتها بين أهل المجتمع الجاهلى وأن لها الحق – الإلهى قطعا – فى أن تدافع عن وجودها وأن تعمل على هدم وإزالة المجتمعات القائمة..وفى كل خطوة عليها أن تطيع تلك القيادة طاعة مطلقة (تنظم حركتهم..تنسقها..توجههم..وأن تحصر الجماعة ولاءها لهذه القيادة..هذه الجماعة هى جماعة الإخوان فترة قيادته لها! دعوة صريحة لإلباس كل جرائم سوف تقترفها الجماعة ضد الجميع لباسا دينيا مقدسا! فمن سوف يجلس فى مكانة النبى (ص) سوف يأمر بكل فعل يعمل على تحقيق هدفين (توسيع كيان التجمع الجديد والدفاع عنه ضد كل من يعارض هذا الوجود والتوسع) من أفراد ومؤسسات..والهدف الآخر (مقاومة ومكافحة وإزالة) الدول القائمة بالفعل..أى القيام بالإرهاب المسلح الذى يأتمر بأمر القيادة الجديدة! 

(4)

هذه الفقرات – بخلاف توضيح تطاولها وتطاول مفتريها على مقام النبوة – يمكن أن تفسر لنا كثيرا من المشاهد والمسائل التى يكسوها الغموض عند البعض..

أول تلك المسائل أن أى حديث عن جماعة الإخوان أو أى جماعة مشابهة يحاول تصوير تلك الجماعة على أنها فصيل سياسى وطنى هو محض كذب وتضليل. فالجماعة حسبما كتب مفكرها الأول حتى لو أتى بعد حسن الساعاتى نصا هى جماعة غير وطنية وغير سياسية..هى جماعة ترى فى نفسها أنها صاحبة دعوة سماوية مقدسة. ولا يمكن إطلاقا أن نصدق أن جماعة هذا معتقدها يمكنها أن تؤمن بشكل حقيقى بقيم مثل المواطنة والدستور والفنون وقداسة الحدود الوطنية أو حتى الاعتراف بها. وقبول وجود مثل هذه الجماعة بشكل رسمى أو شبه رسمى هو خطيئة وطنية ودستورية وقانونية كبرى. خطيئة وطنية بالسماح بوجود جماعة لا تؤمن بالوطن. وخطيئة دستورية بوجود جماعة تعتقد أن الدساتير هى من ظواهر الجاهلية. وخطيئة قانونية بالسماح بوجود جماعة تؤمن بأن قوانينا هى قوانين جاهلية كافرة. والأهم من ذلك كله أن هذه الجماعة تؤمن بحقها السماوى المطلق فى العمل على إزالة الدول والمجتمعات القائمة بالقوة المسلحة.

المسألة الثانية التى لم يستوعبها البعضُ جيدا وقت أن تولت الجماعة حكم مصر هى وضع المرشد فى مكانة تعلو رئيس الجمهورية الإخوانى. بعض المصريين حاول أن يعزى ذلك إلى شخصية مرسى الضعيفة، وزعموا أن هذا ربما لم يكن ليحدث لو كان الشاطر بدلا منه. ما كتبه سيد قطب فى وصف العلاقة بين الأتباع وبين تلك القيادة التى منحها حقوق النبى (ص) ينفى هذا الزعم تماما. فحتى لو كان خيرت الشاطر هو الذى وصل لمقعد الحكم لما غير ذلك من حقيقة (أن المرشد فوق الرئيس) فى جمهورية الإخوان المزعومة، لأن المرشد يمثل هذه القيادة التى توافق عليها التجمع الحركى العضوى المسلم أو الجماعة، وهو – أى المرشد – له مطلق السلطة فى توجيه الجماعة وفقا لما يراه. أما أكذوبة التصويت داخل مكتب الإرشاد فهى من آليات اتخاذ بعض القرارات التفصيلية، لكن القرار فى المسائل الكلية الكبرى فى يد المرشد بشكل تام حتى لو بدا غير ذلك. وهو ما يحدث بشكل حرفى فى النسخة الشيعية لتلك القيادة التى تحدث عنها سيد قطب، ولو ظلت الجماعة فى الحكم سنوات أطول لرأينا تجسيدا كاملا لذلك. 

أما المسألة الثالثة والتى أثارت تعجب كثيرٍ من المصريين فهى سلوك بعض أصحاب المهن الرفيعة ممن ينضمون تنظيميا لصفوف الجماعة..كيف لطبيبٍ مثلا أن يتنكر لقسمه المهنى ويمارس تعذيبا ضد مواطنين؟ وكيف يقبل من حصل على مقعد رئاسة الجمهورية بأن يتم تلقينه عن طريق المرشد؟ هذه المشاهد هى التجسيد الحى لعبارات سيد قطب..فبمجرد أن ينضم شخصٌ ما لهذا التجمع فعليه أن (يخلع ولاءه من ذلك التجمع الجاهلى الذى جاء منه ومن قيادة ذلك التجمع سياسيا واجتماعيا واقتصاديا) (جاء الإسلام – يقصد هنا العودة للإسلام بالإنضمام للجماعة – ليخلص الإنسان من وشائج الأرض والطين واللحم والدم..ولا قرابة للمسلم إلا تلك التى تنبثق من العقيدة..ليست قرابة المسلم أباه أو أمه وأخاه وزوجه). ترجمة هذه العبارات على الأرض تعنى بوضوح..أنه بمجرد أن ينضم الطبيب مثلا لذلك التجمع أو الجماعة فإنه يكفر بكل ما كان يؤمن به ويتحرر من كل عهد وارتباط وقسم جاهلى، ويصبح فقط مجرد عضو فى هذا التجمع ينفذ ما يؤمر به عن طريق تلك القيادة..وقس على ذلك أى صاحب منصب أو مهنة..ومهما ارتفع منصبه ومهنته، فكل ذلك يظل مسألة جانبية وتظل المسألة الأكبر والارتباط الأكبر هو انتماؤه لهذا التجمع..فحين تتعامل مع طبيب إخوانى مثلا فأنت لا تتعامل مع طبيب بالمعنى المعروف فى مصر وخارجها، إنما تتعامل مع عضو فى الجماعة وهكذا..

(5)

ما افتراه سيد قطب فى كتابه ليس صفحة عارضة أتت فى ظروف خاصة بالسجن كما حاول البعض أن يروج بعد أن انكشف المستور..لأنه حتى الآن ما زال فى عقول أعضاء الجماعة هو المفكر الأول وهو شهيد الظلال! وللأسف فقد احتفت به عماماتٌ رسمية كبرى فى مؤلفات حديثة..ولا أدرى حقيقةً كيف ينظر أصحاب تلك العمامات لما كتبه قطب عن منحه مقام النبوة لأى شخص على وجه الكرة الأرضية؟ وكيف استقرت ضمائرُهم وهم يحتفون برجلٍ كان يجب تقديمه للمحاكمة بتهمة معاداة الإسلام والتطاول على مقام الرسول (ص)؟ ما كتبه سيد قطب فى مفتراه الأكبر (معالم فى الطريق) يمثل حتى الآن الركيزة الأولى فى فكر جماعة الإخوان، وكل الجماعات المشابهة لها والتى لا يقتصر وجودها على مصر. هى جماعات تتاجر بالدين الإسلامى لتحقيق مآرب سياسية دنيوية، وسوغ سيد قطب لها أن تتاجر بمقام النبوة من أجل نفس الغاية. وجود هذه الجماعات فساد دينى فى حد ذاته، وأدى لتناحر شعب الدولة الواحدة وتناحر شعوب الدول المسلمة. أنا أتقدم – بأثر رجعى – ببلاغ رمزى للجهات المختصة قانونية ودينية ضد ما كتبه سيد قطب فى كتابه عن السطو السياسى الرخيص على مقام وقيمة النبوة، وأطالب بمحاكته محاكمة رمزية تكشف للناس جريمة جديدة من جرائم مفكر الجماعة ومضل أتباعها الثانى بعد حسن الساعاتى. أعلن غضبى من أجل النبى (ص)..وأعلن غضبى من أصحاب العمامات الكبرى سواء الذين عاصروا سيد قطب ولم ينتفضوا دفاعا عن النبى (ص) أو الذين ما يزالون يحتفون بهذا المضل رغم ما اقترفه ضد رسولنا الكريم (ص).  

أخبار متعلقة :