موقع تن لاينز الإخباري

اذا ضاقت السبل.. فتذكر عاشوراء

في زحام الأحداث وتسارع الأيام، يطل يوم عاشوراء كل عام ليعيد إلى الوجدان الإسلامي واحدة من أعظم لحظات التاريخ الإيماني؛ لحظة انتصار اليقين على الخوف، والإيمان على الطغيان، والحق على الباطل.

في هذا اليوم العظيم، الذي سيوافق يوم الخميس 25 يونيو، وهو يوم العاشر من شهر المحرم، لا نستحضر حدثًا تاريخيًا عابرًا، بل نقف أمام مشهد من أعظم مشاهد الصراع بين الحق والباطل، موسى عليه السلام وقومه محاصرون بين بحر هائج وجيش جرار يقوده فرعون الذي ظن أن ملكه لن يزول وأن سلطانه فوق كل سلطان، كانت لغة الواقع تقول إن النهاية اقتربت، وإن الهزيمة أصبحت حتمية، لكن لغة الإيمان قالت شيئًا آخر.
وسط هذا المشهد المهيب صدح نبي الله موسى بكلمات خالدة تجاوزت حدود الزمان والمكان: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [سورة الشعراء: ٦٢].

لم تكن مجرد عبارة طمأنة لقوم خائفين، بل كانت إعلانًا عن عقيدة كاملة؛ عقيدة تؤمن بأن الله يفتح الأبواب حين تُغلق، ويصنع الأسباب حين تنعدم، ويأتي بالنصر حين تبدو الهزيمة أقرب من أي وقت مضى، فانشق البحر، وسقط الطغيان، وغرق فرعون الذي ملأ الأرض فسادًا واستكبارًا.

وفي زمن تتعاظم فيه التحديات وتشتد فيه الأزمات، تظل ذكرى عاشوراء مصدر إلهام للأمة؛ تذكرها بأن طريق الإصلاح يبدأ بالإيمان، وأن النصر يحتاج إلى صبر وثبات، وأن الظلم مهما طال أمده إلى زوال، وأن الحق وإن حوصر يومًا فإنه لا يُهزم.
المسلمون بحاجة إلى استعادة روح عاشوراء أكثر من حاجتهم إلى استعادة تفاصيلها التاريخية، فالأمم لا تنهض بالبكاء على الماضي، وإنما بفهم رسائله واستلهام معانيه.
وأولى هذه الرسائل أن النجاة لا تكون فردية، لقد نجا موسى ومعه قومه، وكأن الدرس الإلهي يؤكد أن المسؤولية الجماعية أساس بناء الأوطان والمجتمعات، فمسؤولية الإنسان لا تقتصر على خلاصه الشخصي، بل تمتد إلى مجتمعه وأسرته ووطنه، فالنجاح الحقيقي هو أن تكون سببًا في هداية الآخرين، وعونًا لهم في مواجهة التحديات، ونورًا يبدد ظلمات الجهل واليأس.

إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الفقر وحده، ولا الأزمات الاقتصادية فحسب، بل غياب الوعي، وتراجع المسؤولية، واستسلام الناس لفكرة أن التغيير مهمة الآخرين، بينما تعلمنا عاشوراء أن كل فرد مطالب بأن يكون جزءًا من مشروع الإصلاح، لا متفرجًا عليه.

ويبقى البعد الروحي لهذا اليوم أحد أعظم أبواب الخير؛ فقد جعل الله فيه فضلًا عظيمًا، ورغب النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه، مبشرًا بأن صيامه يكفر ذنوب سنة كاملة مضت، وبين العلماء أن لصيام عاشوراء ثلاث مراتب؛ أكملها صيام يوم قبله ويوم بعده، ويلي ذلك صيام التاسع والعاشر من شهر المحرم، وأدنى مراتب السنة أن يُصام اليوم العاشر وحده.

إنها فرصة لمراجعة النفس، وتجديد التوبة، وتصحيح المسار، واستعادة الصلة بالله في زمن تتزاحم فيه الشواغل وتضعف فيه الأولويات.

ولهذا يبقى عاشوراء شاهدًا خالدًا على أن الأمم لا تُقاس بما تملكه من قوة، بل بما تحمله من يقين، وأن لحظة واحدة من الثقة بالله قد تغيّر مجرى التاريخ بأكمله.

أخبار متعلقة :