موقع تن لاينز الإخباري

نهاية الهيمنة التكنولوجية.. "فورين أفيرز": إيران أول اختبار حقيقي لأمريكا في العهد الجديد للحروب

قالت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية إن الهيمنة التكنولوجية التي اعتمد عليها الجيش الأمريكي طويلًا لضمان تفوقه أمام منافسيه بدأت تترنح وتتلاشى، مؤكدة أن العصر الحالي لن يمنح واشنطن ميزة احتكار التقنيات الحديثة التي تعيد صياغة الحروب اليوم، وعلى رأسها الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي.

ملامح العهد الجديد للحروب

وأوضحت المجلة أن المواجهة الأخيرة مع إيران شكلت أول اختبار حقيقي لواشنطن في العهد الجديد للحروب؛ فرغم القوة النيرانية الهائلة التي استعرضها الجيش الأمريكي بتنفيذ أكثر من 13 ألف ضربة جوية، إلا أن ذلك لم يمنع طهران من الرد العنيف بإطلاق أكثر من 2200 صاروخ و4400 مسيرة خلال صراع دام 39 يومًا، ما أسفر عن تدمير وإصابة ثماني طائرات أمريكية ومقتل سبعة جنود، فضلًا عن استمرار سيطرة النظام الإيراني على مضيق هرمز.

وكشفت "فورين أفيرز" أن انتشار تكنولوجيا المسيرات رخيصة التكلفة وقدرات الذكاء الاصطناعي بات يسمح للدول الصغيرة والجهات الفاعلة من غير الدول بامتلاك قوة تأثير تفوق حجمها الحقيقي، واستهداف القواعد الخلفية الحيوية لأمريكا، مستشهدة بتعرض طائرة إنذار مبكر أمريكية من طراز (E-3 Sentry) قيمتها 300 مليون دولار للتدمير، وإصابة خمس طائرات تزويد بالوقود من طراز  (KC-135)إضافة إلى عدة رادارات أرضية.

معضلة المسيرات والاقتصاد العسكري

وأضافت المجلة أن المسيرات لم تغيّر ديناميكيات الحرب فحسب، بل غيرت اقتصادياتها بالكامل؛ حيث يمكن لقارب مسير انتحاري لا تتجاوز قيمته 300 ألف دولار أن يشل حركة سفينة حربية تكلف مئات الملايين، وهو ما جرى بالفعل في البحر الأسود حيث نجحت أوكرانيا في إغراق وتدمير عدد كبير من سفن الأسطول الروسي.

وأشارت إلى أن الولايات المتحدة، رغم امتلاكها الجيش الأقوى عالميًا، تواجه عقبات هيكلية وبيروقراطية تمنعها من محاكاة النموذج الأوكراني الذي ينتج أربعة ملايين مسيرة سنويًا، في حين لا يزال الجيش الأمريكي عاجزًا عن بناء تكنولوجيا عسكرية منخفضة التكلفة بسرعة فائقة وبكميات ضخمة، نتيجة اعتماده التاريخي على المنصات الدفاعية الباهظة والمعقدة.

سباق الذكاء الاصطناعي والحياد التكنولوجي

ونوهت المجلة بأن سباق الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين وصل إلى مرحلة "التعادل التقني الفعلي"، حيث لا تتخلف النماذج الصينية عن نظيراتها الأمريكية سوى ببضعة أشهر فقط. 

وكشفت أن الشركات الصينية تغلبت على قيود التصدير الأمريكية المفروضة على الرقائق المتقدمة عبر تقنية تُعرف باسم "التقطير العدائي"،  (Adversarial Distillation)، وهي عملية نسخ واستخلاص قدرات النماذج الأمريكية المتطورة لتطوير نماذجها الخاصة بجزء بسيط من التكلفة.

وأكدت "فورين أفيرز" أن المعيار الحاسم للنجاح في الحروب القادمة لن يكون فيمن يبتكر أداة الذكاء الاصطناعي أولًا، بل في أي جيش سيكون الأسرع والأكثر كفاءة في تبنيها ودمجها في عقيدته العسكرية واختراق العقبات الثقافية والبيروقراطية داخل أفرع القوات المسلحة.

 أزمة الثقة مع وادي السيليكون

وفي سياق متصل، شددت المجلة على أن بناء تفوق رقمي أمريكي يتطلب شراكة وثيقة مع القطاع الخاص، مستدركة بأن قادة البنتاجون أساؤوا إدارة العلاقة مع شركات التكنولوجيا في "وادي السيليكون" مؤخرًا، لاسيما بعد الخلاف العلني مع شركة (Anthropic) حول القيود المفروضة على استخدام تقنياتها في الأسلحة المستقلة أو المراقبة الجماعية، ما أثار موجة غضب عارمة ورفضًا بين آلاف المهندسين في شركات عملاقة مثل (Google) و(OpenAI)  للعمل مع وزارة الدفاع.

تحذير تاريخي

وفي ختام تحليلها، حذرت المجلة من أن واشنطن بحاجة ماسة إلى تحديث معايير قياس القوة العسكرية، بالانتقال من المقاييس الصناعية التقليدية - مثل عدد السفن والطائرات والجنود - إلى قياس مكونات الطاقة الرقمية كحجم القدرة الحوسبية والبيانات المتاحة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

واستحضرت "فورين أفيرز" العِبرة التاريخية لهزيمة "الأرمادا الإسبانية" عام 1588 أمام البحرية الإنجليزية الأكثر مرونة وتطورًا، مؤكدة أن التاريخ مليء بالقصص التحذيرية لجيوش عظمى سقطت لأنها عجزت عن التكيف مع التقنيات التخريبية الناشئة، وهو المصير الذي قد يواجه الولايات المتحدة إذا لم تسارع إلى إعادة صياغة عملياتها ومفاهيمها الدفاعية لتلائم العصر الجديد.

أخبار متعلقة :