موقع تن لاينز الإخباري

المشروع الوطنى المصرى

 

ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ نقطة تحول مفصلية فى تاريخ الدولة المصرية الحديثة، ليس فقط لأنها أعادت صياغة المشهد السياسى، بل لأنها دشنت مرحلة جديدة كليًا فى استراتيجية الحكم والإدارة، قائمة على تلازم مسارين متوازيين لا ينفصلان. الأول استعادة الأمن والاستقرار من خلال محاربة الإرهاب وتطهير البلاد من جماعات التطرف، والثانى تحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

كان التحدى الذى واجهته الدولة المصرية حينها وجوديًا، حيث تكاتفت قوى التطرف لزعزعة أركان الدولة، فى وقت كانت فيه البنية التحتية والاقتصاد يعانيان إرثًا من الانهيار. وفى أعقاب ٢٠١٣، وجدت الدولة نفسها فى مواجهة مباشرة مع جماعات إرهابية حاولت تحويل مصر إلى بؤرة للصراعات، مهددة الأمن القومى والنسيج الاجتماعى. لم تكتفِ الدولة المصرية بالمواجهة الأمنية والعسكرية التقليدية، بل تبنت استراتيجية شاملة اعتمدت على عدة رؤى.

لقد خاضت القوات المسلحة والشرطة المصرية معارك ضارية، لا سيما فى سيناء، لتطهيرها من العناصر الإرهابية. وأطلقت الدولة مبادرات لتجديد الخطاب الدينى ومواجهة الأفكار المتطرفة، مع التركيز على تعزيز قيم المواطنة والوسطية، وتفكيك البنية الفكرية التى تستند إليها تلك الجماعات.

وأصبحت التنمية فى المناطق الأكثر احتياجًا خاصة فى سيناء ومحافظات الصعيد، وسيلة لقطع الطريق أمام أى فكر متطرف، وتم توفير فرص العمل وخلق بيئة طاردة للفكر المتطرف. وانطلقت الدولة المصرية فى مشروع قومى ضخم لإعادة بناء الدولة، مرتكزًا على رؤية مصر ٢٠٣٠، التى اتسمت بالجرأة والسرعة فى التنفيذ. ومثلت الطرق والكبارى شرايين الحياة الجديدة.

لقد أدركت القيادة أن الاستثمار يتطلب بنية تحتية قوية، ولذلك تم إنشاء شبكة طرق غير مسبوقة ربطت أرجاء البلاد، ما سهل حركة التجارة وقلص زمن الرحلات، وخلق مجتمعات عمرانية جديدة.

وحققت مصر معجزة فى ملف الطاقة، وتم إنشاء محطات توليد الكهرباء العملاقة، والتوجه نحو الطاقة النظيفة والمتجددة مثل محطة بنبان للطاقة الشمسية ووضع الأساس لانطلاق الصناعة المصرية. وكان مشروع حفر قناة السويس الجديدة رمزًا للإرادة الوطنية، تبعته مشروعات استصلاح ملايين الأفدنة لتعزيز الأمن الغذائى، وإنشاء مدن الجيل الرابع، على رأسها العاصمة الجديدة، التى تمثل نقلة نوعية فى مفهوم الإدارة الحديثة والتحول الرقمى.

وفى قلب عملية التنمية، والاهتمام بالطبقات الأكثر احتياجًا، جاء مشروع حياة كريمة الأضخم فى التاريخ المصرى، حيث يستهدف تغيير وجه الريف المصرى وتحسين جودة حياة ملايين المواطنين فى الخدمات الأساسية من مياه وصرف صحى وتعليم وصحة.

إن الجمع بين محاربة الإرهاب وتحقيق تنمية شاملة فى وقت واحد وضع الاقتصاد المصرى تحت ضغط هائل، لقد تطلب هذا المسار تضحيات كبيرة من الشعب المصرى، لا سيما مع إجراءات الإصلاح الاقتصادى الجريئة مثل تحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة الدعم التى كانت ضرورية لاستعادة ثقة المؤسسات الدولية وإصلاح مسار الاقتصاد. 

وعلى الرغم من التحديات العالمية المتلاحقة من جائحة كورونا إلى التوترات الجيوسياسية العالمية التى أثرت على سلاسل الإمداد وأسعار الغذاء- فقد أثبت الاقتصاد المصرى مرونة ملحوظة. 

إن التنمية التى تحققت لم تعد مجرد أرقام فى التقارير، بل صارت واقعًا ملموسًا فى حياة المواطنين من خلال المجمعات السكنية الجديدة، وتطوير قطاع الصحة مثل مبادرات ١٠٠ مليون صحة والقضاء على فيروس سى، وتوسع شبكات النقل الجماعى الحديثة.

كما أن المشروع الوطنى المصرى بعد ٢٠١٣ هو قصة إصرار على تحويل التهديدات إلى فرص، فلقد أثبتت التجربة المصرية أن الدولة التى تملك إرادتها، وتواجه مشكلاتها بشجاعة، قادرة على تجاوز المستحيل. 

إن الربط بين الأمن والتنمية خلق معادلة صعبة، لكنها ضرورية لبناء دولة حديثة قوية تليق بمكانة مصر وتاريخها، ومع استمرار هذا المسار، يظل التحدى القادم هو تعظيم العائد من هذه البنية التحتية والمشروعات القومية، وتحويلها إلى قاطرة حقيقية للنمو الاقتصادى المستدام، وزيادة معدلات التصنيع والتصدير، والاستثمار فى العنصر البشرى باعتباره الثروة الحقيقية للوطن. 

وللحديث بقية...

أخبار متعلقة :