كشف خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن فترة حكم الجماعة الإرهابية شهدت انتشارًا واسعًا لفتاوى غير منضبطة، ساهمت في تفشي ظاهرة الحفر غير المشروع عن الآثار بشكل غير مسبوق، خاصة عقب عام 2011، وهي الظاهرة التي ما زالت ممتدة حتى اليوم رغم الحملات الأمنية والضبطيات المتكررة، وسقوط العديد من المتورطين، بل ووفاة بعضهم أثناء أعمال الحفر في مناطق نائية داخل القرى المصرية.
وأوضح ريحان، في تصريحات خاصة لـ«الدستور»، أن تلك الفتاوى الصادرة عن غير المتخصصين روّجت لفكرة خاطئة مفادها أن الآثار تُعد «ركازًا»، وهو ما استغله أصحاب المصالح وسماسرة التنقيب غير المشروع، لتصبح الفئات البسيطة فريسة سهلة لشبكات تهريب الآثار والعصابات الدولية المنظمة.
وفي توضيح مفاهيمي، أشار ريحان إلى أن «الركاز» في الفقه الإسلامي يُقصد به ما يُعثر عليه مدفونًا من أموال تعود إلى عصور ما قبل الإسلام، وغالبًا ما يُنسب إلى حضارات الجاهلية، وقد نصت الأحكام الشرعية على إخراج الخُمس منه كزكاة، بينما يعود الباقي لمن يعثر عليه في حالات محددة كامتلاك الأرض أو كونها غير مملوكة.
وأكد خبير الآثار أن هذا التعريف لا ينطبق بأي حال على الآثار، نظرًا لأن الآثار ليست محصورة في النقود أو المدفونات المعدنية، بل تشمل مختلف أشكال الإنتاج الحضاري عبر العصور، بما فيها العصور الإسلامية والحديثة، وهو ما ينفي تمامًا ربطها بمفهوم الركاز المرتبط بزمن محدد.
وشدّد على أن عمليات البحث العشوائي عن الكنوز أو الآثار بطرق غير قانونية تُعد محرمة شرعًا، خاصة إذا ارتبطت باللجوء إلى الدجل أو السحر أو الشعوذة، وهو ما حذّر منه عدد من العلماء باعتباره سلوكًا يقود إلى الإثم والهلاك ويهدد الأرواح والممتلكات.
كما أشار إلى أن بعض التفسيرات الخاطئة لآيات من القرآن الكريم، وعلى رأسها قصة الجدار في سورة الكهف، جرى استخدامها لتبرير الخلط بين مفهوم الركاز والآثار، رغم أن السياق القرآني يؤكد اختلاف المعنى ويدعو إلى حفظ الحقوق وعدم إهدار التراث، لافتًا إلى أن الحق في التنقيب عن الآثار وإدارتها هو حق حصري للدولة ممثلة في أجهزتها المختصة، وليس للأفراد.
وأضاف أن الإطار القانوني في مصر يدعم هذا التوجه، حيث تنص المادة 32 من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته على أن المجلس الأعلى للآثار هو الجهة المختصة بالكشف والتنقيب وإدارة المواقع الأثرية داخل مصر، سواء فوق سطح الأرض أو تحتها أو في المياه الإقليمية.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن التعديلات التشريعية الأخيرة شددت العقوبات على جرائم تهريب الآثار، حيث نصت المادة 42 مكرر (1) على توقيع عقوبة السجن المؤبد على كل من يشارك في تشكيل أو إدارة أو الانضمام إلى عصابات متخصصة في سرقة الآثار أو تهريبها خارج البلاد.
ودعا ريحان إلى ضرورة إصدار فتوى رسمية واضحة من دار الإفتاء المصرية تُفرق بشكل حاسم بين مفهوم الركاز والآثار، إلى جانب إدخال تعديلات قانونية جديدة تعزز من حماية المبلغين عن أعمال الحفر غير المشروع، وتقديم حوافز مادية لمن يدلي بمعلومات تسهم في ضبط هذه الجرائم.
كما طالب بتقنين أوضاع المتاحف والمجموعات الأثرية الخاصة، بما يسمح بإنشاء متاحف مرخصة للأفراد وفق ضوابط قانونية دقيقة، بشرط تسجيل مقتنياتها رسميًا وإخضاعها لإشراف وزارة السياحة والآثار، بما يضمن الحفاظ على التراث ومنع تسربه أو العبث به.
أخبار متعلقة :