في وقت كان يفترض أن تفتح فيه مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران نافذة لخفض التوتر واحتواء تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، تبدو المفاوضات بين الطرفين وكأنها تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا وحساسية.
مذكرة التفاهم التي طرحت بوصفها مدخلًًا لإرساء أرضية مشتركة، لم تنجح حتى الآن في تبديد مناخ الريبة المتراكم بين واشنطن وطهران، بل كشفت منذ ساعاتها الأولى عن اتساع فجوة التفسير بين الطرفين وحدود الالتزام السياسي ببنودها. ومن هنا، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بما إذا كانت هذه المذكرة قادرة على فتح باب التهدئة، بل بما إذا كانت ستصمد أمام أول اختبار عملي.
هذا الاختبار بدأ مبكرًا،مع إعلان باكستان استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران عقب توقيع مذكرة التفاهم الهادفة إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط. ورغم أن استئناف هذا المسار كان يفترض أن يمنح الاتفاق دفعة أولى، فإن التطورات المتلاحقة أظهرت العكس، إذ تزامن ذلك مع تصاعد الجدل حول مضمون المذكرة نفسها، في ظل تضارب واضح بين ما تعتبره الولايات المتحدة مكاسب تفاوضية، وما تصفه إيران بأنه تفاهم عام لا يتضمن التزامات تفصيلية بشأن الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي والعقوبات. وبذلك، دخلت المفاوضات مرحلة لا يقتصر فيها الخلاف على البنود، بل يمتد إلى تفسير طبيعة التفاهم نفسه وحدوده.
ومن بين الملفات التي برزت سريعًا بوصفها ميدان الاختبار الأول لصلابة هذا التفاهم، يبرز ملف إدارة مضيق هرمز، ليس فقط بسبب حساسيته الأمنية والاقتصادية، بل لأنه يكشف إلى أي حد يمكن لأي تفصيل ميداني أن يتحول إلى عنصر تفجير سياسي للمسار كله.
على الرغم من توقيع الاتفاق في سويسرا، لا يزال هذا الملف عالقًا، وسط تحذيرات أمريكية من أي خطوات إيرانية قد تفسر باعتبارها تهديدًا لحرية الملاحة أو محاولة لفرض كلفة سياسية واقتصادية على عبور السفن.
وفي هذا السياق، صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجته، مهددًا بإنهاء المفاوضات فورًا إذا ثبت أن إيران تتقاضى رسومًا من السفن العابرة لمضيق هرمز.
وقال إن طهران أبلغت واشنطن بأنها، خلافًا لما وصفه بـ"التقارير المثيرة للفتن"، لا تفرض أي رسوم مرور أو تكاليف تأمين أو أي رسوم أخرى على السفن التي تعبر المضيق.
لكن اللافت في هذا الموقف أنه لم يقتصر على نفي الرواية المتداولة، بل ربط مصير المفاوضات مباشرة بصحة هذه المعلومات، في إشارة واضحة إلى أن ملف هرمز لم يعد مجرد بند جانبي، بل تحول إلى معيار لقياس صدقية التفاهم وحدود الثقة بين الطرفين، ومن هذه النقطة تحديدًا، يتضح أن مضيق هرمز ليس سوى واجهة لأزمة أعمق تتعلق بجوهر التفاوض نفسه.
بعيدًا عن التوتر الذي يحيط بحرية الملاحة، يبقى الملف النووي الإيراني والعقوبات المرتبطة به هو العقدة المركزية في المشهد، غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا الملف لم يدخل بعد مرحلة التفاوض التفصيلي، بل لا يزال محكومًا بصياغات عامة، ما يجعل مذكرة التفاهم أقرب إلى إطار سياسي مؤقت منها إلى اتفاق قابل للتنفيذ الفوري.
وفي هذا الإطار، شددت وزارة الخارجية الإيرانية على أن المباحثات التي جرت في سويسرا لم تتناول بشكل تفصيلي الملف النووي أو ملف العقوبات، بل جرى التطرق إليهما بصورة عامة فقط. كما أوضحت أن مذكرة التفاهم تنص على أن مناقشة هذين الملفين ستتم خلال 60 يومًا من توقيعها، وهو ما يعني عمليًا أن القضايا الأكثر تعقيدًا لم تحسم بعد، وإنما جرى ترحيلها إلى مرحلة لاحقة قد تكون أكثر صعوبة من لحظة التوقيع نفسها.
وهذا التأجيل لا يعكس فقط حذرًا تفاوضيًا، بل يكشف في الوقت ذاته إحدى نقاط الضعف البنيوية في المذكرة،إذ إن ترحيل القضايا الجوهرية لا يلغيها، بل قد يحولها إلى ألغام سياسية قابلة للانفجار في أي لحظة.
وإذا كان تأجيل النقاش التفصيلي في الملف النووي يعكس هشاشة التفاهم، فإن الخلاف حول آليات التفتيش يكشف حجم التباعد الحقيقي بين روايتي الطرفين،التناقض الأوضح بين واشنطن وطهران برز في ملف تفتيش المنشآت النووية الإيرانية، وهو ملف لا يكتسب حساسيته من طبيعته الفنية فقط، بل من رمزيته السياسية والسيادية أيضًا.
في الوقت الذي تحدث فيه مسؤولون أمريكيون عن عودة الرقابة الدولية وفتح المجال أمام التفتيش، جاءت التصريحات الإيرانية لتؤكد أنه لا اتفاق على السماح بزيارة المواقع التي تعرضت للاستهداف خلال الحرب.
وفي هذا السياق، أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفائيل غروسي أن مفتشي الوكالة سيزورون المواقع النووية الإيرانية، مشيرًا إلى أن إيران وافقت على عمليات تفتيش نووي "إلى أجل غير مسمى". غير أن هذا التصريح لم يمر من دون رد إيراني سريع، إذ نفت طهران إجراء أي لقاء مع مدير الوكالة في سويسرا، كما نفت وجود خطط لتفتيش منشآتها النووية التي تعرضت للقصف.
وزاد نائب وزير الخارجية الإيراني من حدة هذا النفي، مؤكدًا أنه لا توجد أي خطة للوصول إلى المنشآت النووية التي تعرضت للهجوم أو إلى المواد النووية الموجودة فيها، ومشددًا على أن مسألة التفتيش لن تكون مطروحة إلا في إطار اتفاق نهائي شامل، وليس ضمن مذكرة تفاهم مؤقتة.
وهنا تحديدًا تتجلى الأزمة في أوضح صورها،فإذا كانت واشنطن تعتبر التفتيش بندًا محسومًا وشرطًا لاستمرار المسار التفاوضي، بينما تصر طهران على أنه غير مطروح حاليًا،فإن ذلك يعني أن الخلاف لم يعد متعلقًا بتفصيل فني أو بند قابل للتأجيل، بل أصبح يمس تعريف ما تم الاتفاق عليه.
ولذلك، لم يكن مفاجئًا أن يؤكد ترامب أن استمرار المفاوضات كان مشروطًا بموافقة إيران على عمليات التفتيش النووي، في حين تصر طهران على العكس تمامًا. ومن هنا، تبدو المذكرة وكأنها دخلت عمليًا في "معركة تفسيرات" مبكرة، قد تتحول إلى سبب مباشر في تعطيلها أو إسقاطها.
ولا يقف الأمر عند حدود التباين الفني أو القانوني، بل يمتد إلى الخطاب السياسي الذي يرافق المفاوضات ويؤثر في فرص نجاحها،التصريحات الصادرة عن الجانبين تكشف أن كلًا منهما يحاول تسويق المذكرة داخليًا بوصفها انتصارًا خاصًا به، وهو ما يزيد من صعوبة بناء أرضية تفاوضية مستقرة.
من الجانب الإيراني، وصف كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف مذكرة التفاهم بأنها "إعلان هزيمة أميركا"،في خطاب يهدف إلى تقديم التفاهم للرأي العام الإيراني باعتباره ثمرة صمود سياسي وميداني، لا نتيجة تنازل أو تراجع.
وفي المقابل، تبنى ترامب خطابًا لا يقل حدة، إذ قال إن إيران كانت "على وشك السقوط"،وإنها مستعدة لمنح الولايات المتحدة "عمليًا كل ما نريده"، في محاولة لتكريس صورة تفاوضية تقوم على منطق الضغط الأقصى وتحويل المذكرة إلى دليل على نجاح سياسة الابتزاز السياسي والاقتصادي ضد طهران.
وبين الخطابين، تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا من سرديات النصر المتبادلة،المفاوضات لم تصل بعد إلى اتفاق نهائي، والملفات الأساسية لا تزال معلقة، وآليات التنفيذ غامضة، والتناقضات العلنية بين الطرفين لا توحي بأن الطريق نحو تسوية مستقرة أصبح ممهدًا.
وعندما تتداخل التباينات الفنية مع خطاب سياسي متصلب، تصبح قراءة المذكرة بوصفها اتفاقًا نهائيًا أمرًا بالغ الصعوبة، المعطيات المتوافرة حتى الآن تشير إلى أنها أقرب إلى هدنة سياسية مؤقتة هدفها منع الانفجار الشامل، أكثر من كونها تسوية مكتملة تعالج جذور الأزمة.
فهي لم تحسم الخلاف حول التفتيش النووي، ولم تقدم تصورًا واضحًا لرفع العقوبات أو آلية التعامل مع المنشآت المتضررة، كما أنها تركت ملف مضيق هرمز مفتوحًا على احتمالات التصعيد، وربطت استمرار المفاوضات بسلسلة من الشروط المتبادلة التي قد تسقط عند أول احتكاك ميداني أو خلاف سياسي.
وإذا كانت هذه الهشاشة تكشف حدود التفاهم على المستوى الثنائي بين واشنطن وطهران، فإنها تكتسب بعدًا أكثر تعقيدًا عند النظر إلى السياق الإقليمي الأوسع.
وفي ضوء كل ذلك، تبدو المفاوضات الامريكية الإيرانية وقد دخلت مرحلة دقيقة عنوانها العريض تضارب الروايات وتآكل الثقة.بين حديث أمريكي عن تفتيش نووي واستعداد إيراني لتقديم تنازلات، وتمسك إيراني بأن الملفات الجوهرية لم تناقش بعد، يقف الاتفاق الوليد على أرض رخوة.
كما أن إدخال مضيق هرمز في صلب الاشتباك السياسي، وربط مصير التفاوض بملفات أمنية وسيادية شديدة الحساسية، يجعل أي خطأ في الحسابات أو أي تناقض في التنفيذ كفيلا بإعادة الأزمة إلى نقطة الصفر.
وعليه، فإن مذكرة التفاهم لا تمثل حتى الآن نهاية للأزمة، بل قد تكون مجرد محطة مؤقتة في صراع مفتوح تدار فيه التهدئة بقدر كبير من الحذر.
وسيظل نجاحها مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز معركة التفسيرات، والانتقال من لغة الشروط والتهديدات إلى تفاهمات واضحة وملزمة، قادرة على الصمود لا أمام التصريحات فقط، بل أمام الوقائع الميدانية واختبارات التنفيذ السياسي التي لم تدخل بعد سوى مرحلتها الأولى.
أخبار متعلقة :