أثارت واقعة وفاة طفل داخل سيارة أسرته حالة من الحزن والصدمة، وأعادت فتح النقاش حول ظاهرة تُعرف في الأوساط العلمية والنفسية باسم "متلازمة الطفل المنسي"، وهي حالة نادرة ترتبط بآليات الذاكرة والانتباه لدى الإنسان، وقد تؤدي في بعض الظروف الاستثنائية إلى نسيان الطفل داخل السيارة رغم ارتباط الوالدين العاطفي الشديد به.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور علي عبد الراضي، أخصائي الطب النفسي، حقيقة هذه المتلازمة والعوامل النفسية والعصبية التي قد تؤدي إلى وقوع مثل هذه الحوادث المأساوية.
ما هي متلازمة الطفل المنسي؟
يقول الدكتور علي عبد الراضي إن متلازمة الطفل المنسي ليست مرضًا نفسيًا أو اضطرابًا عقليًا مستقلًا، بل هي حالة ترتبط بآليات عمل الذاكرة والانتباه داخل الدماغ، حيث يفشل الشخص مؤقتًا في استدعاء معلومة شديدة الأهمية، مثل وجود طفل داخل السيارة، نتيجة تداخل عدة عوامل نفسية وعصبية في وقت واحد.
ويؤكد أن هذه الحوادث قد تقع لأشخاص محبين ومسؤولين تجاه أطفالهم، ولا تعني بالضرورة غياب المشاعر أو الإهمال المتعمد، وإنما قد تنتج عن خلل مؤقت في معالجة المعلومات داخل الدماغ.
كيف يحدث النسيان رغم ارتباط الوالد بطفله؟
يوضح أخصائي الطب النفسي أن الدماغ يعتمد على نوعين من الذاكرة:
ذاكرة العادات والروتين اليومي.
الذاكرة الواعية المسؤولة عن المهام الجديدة أو المخطط لها.
وعندما يتعرض الشخص لضغط نفسي شديد أو إرهاق أو قلة نوم، قد تسيطر ذاكرة العادات على السلوك اليومي، فيقوم الدماغ بتنفيذ المسار المعتاد بشكل تلقائي دون الانتباه للتغيير الموجود في الخطة اليومية.
فعلى سبيل المثال، إذا كان الأب معتادًا على التوجه مباشرة إلى العمل كل صباح، فقد يتبع المسار نفسه بصورة آلية حتى في اليوم الذي كان من المفترض أن يوصل فيه طفله إلى الحضانة أولًا.
ما الأسباب التي تزيد من احتمالية حدوث متلازمة الطفل المنسي؟
بحسب الدكتور علي عبد الراضي، هناك عدة عوامل قد تزيد من احتمالية حدوث هذه الهفوات النادرة، من أبرزها:
الضغوط النفسية الشديدة.
قلة النوم والإرهاق المزمن.
الانشغال بمشكلات العمل أو الأسرة.
التوتر والقلق المستمر.
التغييرات المفاجئة في الروتين اليومي.
التشتت الذهني وكثرة المهام في الوقت نفسه.
الاعتماد المفرط على العادات اليومية دون تركيز واعٍ.
ويشير إلى أن الدماغ في هذه الحالات قد يُكوّن ما يشبه "الذاكرة الزائفة"، فيعتقد الشخص أنه أتم المهمة بالفعل، رغم أنه لم يقم بها في الواقع.
هل تعتبر هذه الحوادث إهمالًا متعمدًا؟
يؤكد الدكتور علي عبد الراضي أن التحقيقات القانونية هي الجهة المختصة بتحديد المسؤوليات في كل حالة على حدة، لكن من الناحية النفسية فإن العديد من الدراسات تشير إلى أن بعض هذه الوقائع قد تكون نتيجة خلل مؤقت في الذاكرة والانتباه، وليس بالضرورة إهمالًا مقصودًا.
ويضيف أن فهم الآليات النفسية وراء هذه الحوادث يساعد على تطوير وسائل وقائية تمنع تكرارها، بدلًا من الاكتفاء بإلقاء اللوم بعد وقوع الكارثة.
كيف يمكن الوقاية من متلازمة الطفل المنسي؟
يشدد أخصائي الطب النفسي على أهمية اتباع إجراءات وقائية بسيطة، منها:
وضع حقيبة العمل أو الهاتف بجوار مقعد الطفل.
التأكد من النظر إلى المقعد الخلفي قبل مغادرة السيارة.
الاتفاق بين الوالدين على تأكيد وصول الطفل إلى الحضانة.
استخدام تطبيقات أو أجهزة تنبيه مخصصة للأطفال داخل السيارات.
تجنب القيادة في حالات الإرهاق الشديد أو التشتت الذهني.
أخبار متعلقة :