أوضحنا فى المقال السابق مَن هو أبوسيف يوسف، وطبيعة الأدوار التى لعبها، سواء ضمن حركة اليسار المصرى، والصحافة اليسارية منذ أربعينيات القرن العشرين، أو حتى الإسهام الفكرى والطليعى الذى لعبه، وجعله من رموز جيله، رغم تواضعه الشديد، وعدم ميله إلى الضجيج والبحث عن أضواء الشهرة.
ويعتبر كتابه «الأقباط والقومية العربية: دراسة استطلاعية» الصادر عام ١٩٨٧، من أشهر وربما أهم كتبه. وفى الحقيقة كان هذا الكتاب بالنسبة لى مفتاح التعرف على أبوسيف وأهميته ونتاجه الفكرى.
وأتى ذلك من خلال اهتمامى الأكاديمى بتاريخ الأقباط الحديث والمعاصر، ولفت انتباهى بشدة انتماء أبوسيف يوسف إلى حى شبرا، هذا الحى الشهير الذى قدم مثالًا مهمًا للتعايش والمواطنة، وهنا ينبغى تفهم المناخ الاجتماعى والسياسى وراء إصدار أبوسيف كتابه المهم، فهو من الجيل الذى ولد ونشأ وترعرع فى أعقاب ثورة ١٩١٩، بزخمها فى مجال المواطنة، بالإضافة إلى حياته فى حى شبرا، وبالتأكيد الانتماء إلى تيار اليسار، كل هذه العوامل جعلت مسألة المواطنة من أهم القضايا التى دافع عنها طيلة حياته، ويأتى إصداره هذا الكتاب بعد الحوادث الطائفية فى السبعينيات، والإرهاب فى الثمانينيات، فى محاولة مستميتة للتأكيد على فكرة المواطنة. لذلك تكون الكلمات الأولى فى كتابه على النحو التالى: «تقوم هذه الدراسة الاستطلاعية على فرضية أولى مؤداها أنه يعيش على أرض مصر شعب واحد يتكون من أغلبية تدين بالإسلام، وأقلية يمثلها القبط تدين بالمسيحية، ويشير مصطلح الأغلبية والأقلية هنا إلى النسبة العددية، لأن القبط كأقلية دينية لا يشكلون أقلية عرقية أو سلالية (إثنية) أو لغوية، وهو الأمر الذى ميَّز الشعب فى مصر بدرجة عالية من التماسك، أو التكامل، أو الاندماج الاجتماعى».
ولا يصدر ذلك عن أبوسيف لمجرد شعارات دعائية، أو مجاراة لنظام سياسى ما، ولكن تعبيرًا عن اقتناع جيله بفكرة الشعب الواحد، والمواطنة المصرية، قبل أن يصيبها الكثير من الضربات والوهن فى السنوات التالية.
ويدعم أبوسيف يوسف فرضيته باستعراض تاريخى، منذ التاريخ القديم، مرورًا بالتاريخ الوسيط والإسلامى، وصولًا إلى التاريخ الحديث والمعاصر، هذا الأخير الذى يمثل حجر الزاوية فى فرضيته وأطروحاته، وينتهى ذلك بما أطلق عليه: «محاولة لإلقاء نظرة مستقبلية».
فى نظرته المستقبلية لتأكيد فكرة المواطنة، يحاول أبوسيف تأكيد ذلك على أسس واقعية وليست رومانسية؛ حيث يشير إلى أهمية ما أطلق عليه «التنمية المستقلة» لتفادى الأزمة الاقتصادية، وإرساء أسس الاندماج على مستويات اجتماعية واقتصادية. وأن إعمال مبادئ الديمقراطية سيؤكد أسس الاندماج على المستوى السياسى.
ويحذر أبوسيف من ظاهرة مهمة وخطيرة وهى ازدياد الثقل السياسى للمؤسسات الدينية، وفقًا لتعبيره: «الرسمية وغير الرسمية، والإسلامية والمسيحية على السواء».
ويُنهى أبوسيف «روشتة المواطنة» لديه بضرورة إجراء إصلاح اقتصادى، لتغطية الاحتياجات الشعبية من غذاء وكساء ودواء، وإصلاح ديمقراطى يرسخ ويصون مبادئ التعددية الحزبية، ويمكّن المواطنين- دون استثناء- فى الانخراط فى العمل العام. كما يؤكد ضرورة إجراء إصلاح عميق لنظم التربية والتعليم، وأن كل ذلك سيؤدى إلى توارى النزاعات الطائفية إلى الخلف، والوصول إلى مواطنة حقيقية تتماشى مع صناعة المستقبل.
أخبار متعلقة :