موقع تن لاينز الإخباري

من الفوضى إلى الريادة.. «30 يونيو» تكتب فصلًا جديدًا للدراما المصرية

لم تكن ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ مجرد حدث سياسى غير مسار الدولة المصرية، بل مثلت نقطة تحول كبرى أعادت صياغة العديد من القطاعات الحيوية، وفى مقدمتها قطاع الثقافة والفنون. وإذا كانت الدراما والسينما هما المرآة الأكثر قدرة على التقاط التحولات الاجتماعية والسياسية ورصدها، فإن السنوات التى أعقبت الثورة كشفت عن ميلاد مرحلة جديدة فى تاريخ الفن المصرى، مرحلة اختلفت فى طبيعة موضوعاتها، وأدواتها الإنتاجية، ورسائلها الفكرية، وأدوارها المجتمعية.

ومن ثم فإن الحديث عن تأثير ثورة ٣٠ يونيو على الدراما المصرية لا يقتصر على رصد مجموعة من الأعمال الفنية التى تناولت الحدث أو نتائجه، وإنما يمتد إلى دراسة التحولات البنيوية التى شهدتها الصناعة نفسها، وكيف انتقلت من حالة الارتباك والتراجع إلى مرحلة أكثر استقرارًا وتنظيمًا وتأثيرًا.

لا يمكن فهم المشهد الدرامى بعد ٣٠ يونيو بمعزل عن الظروف التى سبقته، فبعد أحداث يناير ٢٠١١ دخلت مصر مرحلة من السيولة السياسية والاجتماعية انعكست بشكل مباشر على الإنتاج الفنى، تراجعت الاستثمارات، وتأجل تنفيذ مشروعات عديدة، وتعرضت صناعة الدراما التليفزيونية والسينما لحالة من عدم اليقين بسبب غياب الرؤية المستقبلية الواضحة.

فى تلك الفترة ظهرت أعمال كثيرة ركزت على الفوضى والانهيار الاجتماعى والجريمة والعنف، وبرزت نماذج درامية قدمت صورة قاتمة للمجتمع المصرى، حتى بدا وكأن الشاشة أصبحت أسيرة شخصيات البلطجية وتجار المخدرات والعناصر الفاسدة، ولم يكن الأمر مجرد اختيار فنى، بل كان انعكاسًا لحالة الاضطراب التى عاشها المجتمع بأكمله. ومع ثورة ٣٠ يونيو بدأت الدولة فى استعادة قدر من الاستقرار المؤسسى والأمنى، وهو ما انعكس تدريجيًا على القطاع الفنى، فعادت رءوس الأموال للاستثمار فى الإنتاج، وظهرت كيانات إعلامية وإنتاجية ضخمة قادرة على تمويل أعمال كبيرة، وأصبح هناك مناخ يسمح بالتخطيط بعيد المدى، بعد سنوات من الإنتاج الموسمى المرتبط بالظروف المتقلبة، ومن هنا يمكن القول إن أول أثر حقيقى للثورة على الدراما التليفزيونية لم يكن فى مضمون الأعمال، وإنما فى إعادة بناء الصناعة نفسها، وهو ما شكل الأساس الذى انطلقت منه بقية التحولات.

أحد أهم التحولات التى شهدتها الدراما المصرية بعد ٣٠ يونيو يتمثل فى عودة فكرة «الرسالة» إلى العمل الفنى، فعلى مدار سنوات طويلة كانت الدراما المصرية تتأرجح بين الترفيه الخالص وتناول القضايا الاجتماعية التقليدية، لكن السنوات الأخيرة شهدت صعود ما يمكن تسميته بـ«دراما الوعى»، وهى الأعمال التى تسعى إلى تقديم قراءة للواقع المصرى، وتفسير ما جرى خلال فترات الاضطراب، وتقديم رؤية فكرية حول قضايا الهوية والانتماء والأمن القومى.

وقد تجسد هذا الاتجاه بوضوح فى سلسلة أعمال وطنية ضخمة أنتجتها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، مثل: مسلسلات «الاختيار» بأجزائه المختلفة، و«هجمة مرتدة، العائدون، الكتيبة ١٠١، حرب، القاهرة كابول»، هذه الأعمال لم تكتفِ بتقديم حكايات درامية، بل حاولت بناء سردية وطنية حول مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ الدولة المصرية، ويمكن النظر إلى هذه الأعمال باعتبارها امتدادًا لما يعرف عالميًا بـ«دراما الدولة الوطنية»، وهى الأعمال التى تظهر عادة بعد الحروب أو الثورات أو التحولات الكبرى، بهدف إعادة بناء الذاكرة الجمعية وتعزيز الشعور بالانتماء، وقد نجحت هذه الأعمال فى تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، كما فتحت نقاشًا واسعًا حول قضايا الإرهاب والتطرف والأمن القومى، وهى موضوعات كانت بعيدة نسبيًا عن الشاشة المصرية قبل سنوات قليلة.

هنا تبرز واحدة من أهم القضايا الجدلية المرتبطة بالمشهد الدرامى بعد ٣٠ يونيو، فبينما يرى قطاع واسع من الجمهور أن هذه الأعمال أدت دورًا مهمًا فى توثيق الأحداث وكشف حقائق تاريخية أمام الأجيال الجديدة، يرى آخرون أن بعض الأعمال اقتربت أحيانًا من الطابع التوجيهى أو التفسيرى للأحداث من زاوية واحدة، وهذا الجدل ليس خاصًا بمصر فقط، بل شهدته معظم دول العالم التى مرت بتحولات سياسية كبرى، فالسؤال المطروح دائمًا هو: هل وظيفة الدراما أن تقدم الحقيقة أم أن تطرح الأسئلة؟ وفى الواقع فإن القيمة الحقيقية لأى عمل فنى لا تتحدد فقط من خلال الرسالة التى يحملها، وإنما من خلال قدرته على تقديم هذه الرسالة فى إطار درامى وإنسانى قادر على إقناع المشاهد فنيًا قبل إقناعه فكريًا، ولذلك فإن التحدى الأكبر أمام الدراما الوطنية فى المستقبل سيكون تحقيق التوازن بين الرسالة والبعد الفنى، بحيث لا تتحول الأعمال إلى خطابات مباشرة، ولا تفقد فى الوقت نفسه دورها التوعوى.

من الأخطاء الشائعة اختزال مرحلة ما بعد ٣٠ يونيو فى الأعمال الوطنية فقط، فالواقع يؤكد أن هذه الفترة شهدت أيضًا عودة قوية للدراما الاجتماعية الجادة التى تناقش قضايا المجتمع بصورة أكثر عمقًا وجرأة، فقد قدمت الدراما المصرية أعمالًا تناولت موضوعات لم تكن مطروحة بهذا الشكل من قبل، مثل: اضطرابات الأطفال النفسية والتعليمية فى «خلى بالك من زيزى»، قضايا المرأة والوصاية فى «تحت الوصاية»، أوضاع الأطباء الشباب فى «بالطو»، حماية الأطفال من الانتهاكات فى «لام شمسية»، وتكشف هذه الأعمال عن تطور مهم فى فهم وظيفة الدراما، حيث أصبحت منصة للنقاش المجتمعى وليست مجرد وسيلة للترفيه، كما أسهمت فى رفع مستوى الوعى بقضايا حساسة، وأثبتت أن الدراما قادرة على التأثير فى الرأى العام وصناعة النقاش المجتمعى بشكل مباشر.

إذا كان المضمون قد شهد تطورًا ملحوظًا، فإن الجانب التقنى شهد طفرة ربما تكون الأكبر فى تاريخ الدراما المصرية، فقد ارتفعت مستويات الجودة فى التصوير السينمائى، تصميم الديكورات، المؤثرات البصرية، إدارة الإنتاج، هندسة الصوت، التصوير الخارجى، وأصبحت بعض الأعمال المصرية تضاهى فى مستواها البصرى إنتاجات عالمية كبرى، ويكفى النظر إلى أعمال مثل «الحشاشين» أو «سره الباتع» أو «الاختيار» لإدراك حجم التطور الذى شهدته الصناعة خلال العقد الأخير، وقد ساعد على ذلك توافر ميزانيات أكبر، ووجود شركات إنتاج قادرة على الاستثمار طويل الأجل، بالإضافة إلى المنافسة التى فرضتها المنصات الرقمية.

وفى السينما أيضًا برز تحول لافت يتمثل فى عودة الأفلام الوطنية ذات الإنتاج الضخم، فبعد سنوات سيطرت فيها الكوميديا التجارية وأفلام الأكشن الخفيفة، عادت السينما لتقديم أعمال تستلهم التاريخ الوطنى والبطولات العسكرية، وكان فيلم «الممر» نقطة تحول حقيقية فى هذا الاتجاه، حيث أعاد تقديم حرب الاستنزاف بلغة سينمائية حديثة، ثم جاءت أعمال أخرى مثل «الخلية» و«السرب»، والملاحظ هنا أن هذه الأفلام أعادت الاعتبار لفكرة «البطل الجماعى»، حيث لم يعد التركيز على الفرد الخارق فقط، بل على المؤسسة الوطنية ودورها فى حماية الدولة، وهو تحول يحمل دلالة ثقافية مهمة تعكس طبيعة المرحلة التى أعقبت ٣٠ يونيو.

من أبرز النتائج التى ترتبت على تطور الدراما بعد ٣٠ يونيو عودة الحديث بقوة عن مفهوم «القوة الناعمة»، فلسنوات طويلة كانت الدراما المصرية صاحبة التأثير الأكبر عربيًا، لكنها فقدت جزءًا من هذا الدور خلال فترات الاضطراب، ومع تحسن الإنتاج وتنوع الموضوعات وظهور المنصات الرقمية، استعادت الأعمال المصرية حضورها الإقليمى بصورة واضحة، وعادت لتتصدر نسب المشاهدة فى كثير من الدول العربية، ولم يعد تأثير الدراما المصرية يقتصر على الترفيه، بل أصبح جزءًا من صورة مصر الثقافية والسياسية فى المنطقة.

رغم كل ما تحقق من تطور، فإن المشهد الدرامى لا يزال يواجه مجموعة من التحديات المهمة، أبرزها: الحاجة إلى زيادة مساحة التجارب المستقلة، دعم كتاب السيناريو الشباب، تحقيق توازن أكبر بين الإنتاجين التجارى والثقافى، تنويع وجهات النظر داخل بعض الأعمال، تجديد الأشكال السردية التقليدية، مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، كما أن الحفاظ على الجودة يتطلب استمرار الاستثمار فى التدريب والتكنولوجيا وتطوير الكوادر الفنية.

بعد أكثر من عقد على ثورة ٣٠ يونيو، يمكن القول إن الدراما المصرية مرت بعملية إعادة بناء شاملة، شملت الصناعة والمضمون والرسالة والأدوات، فقد أسهمت الثورة فى توفير بيئة أكثر استقرارًا للإنتاج، وأطلقت موجة من الأعمال الوطنية والاجتماعية التى أعادت طرح أسئلة الهوية والانتماء والوعى، كما شهدت السينما والتليفزيون طفرة تقنية وإنتاجية أعادت للأعمال المصرية كثيرًا من قدرتها على المنافسة والتأثير.

أخبار متعلقة :