لم تكن السنة التى قضتها جماعة الإخوان فى الحكم مجرد فترة انتقالية عادية فى تاريخ مصر الحديث، بل كانت عامًا مشحونًا بالتوترات، والتحولات الحادة، والأزمات التى تضافرت لتخلق حالة من الانهيار الهيكلى على كل الأصعدة. لقد دخلت البلاد فى نفق مظلم من الاحتقان السياسى والتدهور الاقتصادى والتمزق الاجتماعى، ما جعل تلك الفترة نقطة فارقة فى الذاكرة الجمعية المصرية، ومحلًا لدراسات مستفيضة.
لقد واجهت مصر، خلال تلك الفترة، تحديات جسيمة وضعت الدولة على حافة الإفلاس. لقد كانت الجماعة وراء التسبب فى الانهيار الشامل للاقتصاد، وكانت إدارة الموارد والسياسات غير المدروسة وراء حدة الأزمة. وتراجعت احتياطيات النقد الأجنبى لمستويات تاريخية حرجة، ما أدى إلى ضغوط هائلة على العملة المحلية، وارتفاع حاد فى معدلات التضخم. لكن الأخطر كان اختفاء السلع الاستراتيجية، حيث عاش المصريون فصولًا قاسية من أزمات الوقود: البنزين والسولار، وانقطاعات الكهرباء المتكررة. لم يكن هذا مجرد خلل فنى، بل كان مؤشرًا على عجز الدولة عن إدارة سلاسل الإمداد وتوفير الاحتياجات الأساسية.
وقد تزامن ذلك مع هروب الاستثمارات الأجنبية، وتوقف حركة السياحة التى كانت الرئة التى يتنفس منها الاقتصاد المصرى، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق فى نسب البطالة وتفاقم الفقر، ليجد المواطن العادى نفسه محاصرًا بضغوط معيشية لا تطاق.
واتسمت فترة حكم الإخوان بالصدام المستمر مع كل مؤسسات الدولة، على رأسها القضاء والإعلام والمؤسسة الأمنية. وبدلًا من السعى نحو الكتلة الوطنية الجامعة، انتهجت الجماعة سياسة الإقصاء، حيث تم التعامل مع الدولة كغنيمة يجب التمكين فيها، وهو ما عُرف بمبدأ أهل الثقة من الجماعة.
وأدى الإعلان الدستورى المثير للجدل فى نوفمبر ٢٠١٢ إلى إحداث شرخ عميق فى العقد الاجتماعى، حيث منح الرئيس سلطات واسعة تجاوزت الرقابة القضائية، ما ولّد شعورًا لدى القوى السياسية بوجود توجه ديكتاتورى فاشيستى. هذا الانسداد السياسى أدى إلى تعطيل مؤسسات الدولة، وتحول الحوار الوطنى إلى ساحة للمناورات بدلًا من البحث عن حلول. وبدلًا من بناء جسور الثقة، تصاعد خطاب الكراهية والتهديد، ما دفع بالقوى المعارضة والشباب إلى النزول للشارع، لتتحول الساحات إلى ميادين للصراع بدلًا من أن تكون منصات للبناء.
كما شهدت مصر حالة من الاستقطاب الحاد التى قسمت المجتمع إلى معسكرات متصارعة. لم تكن هذه الانقسامات سطحية، بل وصلت إلى قطاعات واسعة. ولعب الخطاب الدينى التعبوى دورًا سلبيًا فى تأجيج المشاعر، حيث تم توظيف الدين فى المعارك السياسية، ما أدى إلى تصاعد حدة التمييز ضد الإخوة المسيحيين والتوجهات الفكرية المختلفة.
لقد فقدت الدولة، خلال هذه السنة، دورها كحكم ومظلة للجميع، وتحولت فى نظر قطاعات واسعة من الشعب إلى طرف فى النزاع. هذا الانقسام الاجتماعى أدى إلى إضعاف النسيج الوطنى، وتراجع الشعور بالانتماء للدولة، لتصبح حالة الفوضى المجتمعية هى السائدة. فقد المواطن الثقة فى الوعود الرسمية، وأصبح الشعور العام هو الخوف من المجهول، ما هيأ التربة الخصبة لانفجار شعبى عارم فى ٣٠ يونيو ٢٠١٣، حيث خرجت الجماهير للمطالبة بإنهاء تلك التجربة التى اعتبرتها تهديدًا لوجود الدولة ذاته.
إن قراءة هذه الفترة بعين موضوعية تظهر بوضوح أن الانهيار لم يكن وليد صدفة، بل كان نتيجة تعالى السلطة على الواقع، وعجزها عن فهم طبيعة المجتمع المصرى التواق للاستقرار والعدالة. لقد كانت سنة من «الإدارة الأيديولوجية» التى غلّبت مصلحة الجماعة على المصلحة الوطنية.
إن تجربة حكم الإخوان ستبقى درسًا قاسيًا فى تاريخ مصر، يؤكد أن الحكم يجب أن يقوم على القدرة على الإنجاز، واحترام مؤسسات الدولة، والتمسك بمبادئ المواطنة، والأهم من ذلك الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعى الذى هو صمام الأمان لأى دولة تسعى للنهوض والاستقرار. إن ما حدث خلال تلك الفترة يجب أن يظل حاضرًا فى ذاكرة الأجيال القادمة كنموذج لما يمكن أن تؤول إليه الدول عندما تبتعد عن التوافق الوطنى، وتغرق فى وحل التمكين والإقصاء.
أخبار متعلقة :