يشهد المشهد العالمي حالة من عدم اليقين بين الحرب والسلام وتأثيرات قرار واشنطن -طهران على الاقتصاد العالمى الذى يكشف عن نمو مأزوم بـ "البارود" وتاثيرات سلبية بالتعريفات الجمركية.
ويواجه الاقتصاد العالمي حالة ممتدة من عدم اليقين الجيوسياسي والتجاري، مدفوعًا بفرض تعريفات جمركية صارمة وتصاعد النزاعات المسلحة، مما ألقى بظلاله مباشرة على حركة التجارة والنمو.
ووفقًا لتحديث أبريل 2026 لتقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي، يواجه النمو العالمي تباطؤًا ملحوظًا؛ حيث هبط من 3.4% في عام 2025 إلى توقعات بنحو 3.1% خلال العام الجاري 2026، على أن يتعافى نسبيًا بنحو 3.2% في عام 2027.
تضخم مفرط في الإنفاق الدفاعي
وأشار التقرير صراحةً إلى أن التوسع العسكري العالمي وتفاقم النزاعات أدى إلى تضخم مفرط في الإنفاق الدفاعي، مما تسبب في زيادة العجز والدين العام، ومزاحمة الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، فضلًا عن امتداد الخسائر المستمرة في الناتج المحلي للدول المتنازعة إلى شركائها التجاريين.
مفارقة التضخم وصدمة ارتفاع النفط بنسبة 21%.
على صعيد الأسعار، توقع صندوق النقد الدولي أن يرتفع متوسط تضخم أسعار المستهلكين عالميًا إلى 4.4% في عام 2026 (مقارنة بـ 4.1% في 2025)، قبل أن ينخفض حادًا إلى 3.7% في عام 2027، مدعومًا بسياسات نقدية متشددة وانخفاض ضغوط أسعار السلع.
وفي تبدل مفاجئ، ألغت أسواق السلع الأساسية اتجاهها الهبوطي؛ إذ تتأهب أسعار النفط لقفزة قياسية بنحو 21.4% خلال عام 2026 نتيجة صدمة عرض مؤقتة واضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، قبل أن تتراجع بنسبة 7.6% في 2027. بالتوازي، ويتوقع نمو حركة التجارة العالمية بنحو 2.8% في 2026 (معدلة من 2.3% في تقديرات يناير الماضي)، لتصل إلى 4.5 % في عام 2027، رغم تبني أنماط تجارية أقل كفاءة ترفع التكاليف وتضغط على الإنتاجية.
الأسواق الناشئة تحت المقصلة المادية
تستمر بيئة التمويل العالمي في التشديد؛ ورغم التيسير التدريجي لبعض البنوك المركزية، لا تزال أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة تاريخيًا. وحذر التقرير من ارتفاع مخاطر التمويل وعدم السداد في ظل مستويات الدين العالمي القياسية، مما جعل تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة أكثر تقلبة وحساسية للصدمات.
المشهد المحلي: الإصلاحات الهيكلية في مصر تمتص الصدمة
في المقابل، أظهر الاقتصاد المصري مرونة لافتة في امتصاص هذه الصدمات الخارجية عبر حزمة من الإصلاحات الهيكلية الداعمة للقطاع الخاص واستدامة المالية العامة.
1. قفزة النمو وأداء القطاعات
سجل النمو الاقتصادي الحقيقي في مصر تسارعًا بنسبة 5.3% خلال الربع الثاني من العام المالي الحالي (مماثلًا لأداء الربع الأول)، مقارنة بـ 4.3% في الربع المقابل من العام السابق. وجاء الأداء مدفوعًا بنمو قياسي لعدة قطاعات خلال النصف الأول (يوليو - ديسمبر):
قناة السويس: نمت بنسبة 24.2%.
تجارة الجملة والتجزئة: قفزت بنسبة 21.0%.
الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات: نما بنسبة 18.1%.
التأمينات الاجتماعية والتأمين: سجل نموًا بـ 12.5%.
وظلت الصناعات التحويلية المساهم الأكبر في النمو الحقيقي بمقدار 1.2 نقطة مئوية.
2. ميزان المدفوعات والاحتياطي الأضخم تاريخيًا
على الرغم من زيادة العجز الكلي في ميزان المدفوعات بنحو 1.6 مليار دولار خلال النصف الأول، إلا أن حساب المعاملات الجارية شهد تحسنًا بنحو 1.5 مليار دولار نتيجة انتعاش الصادرات والسياحة والتحويلات.
الاستثمار الأجنبي المباشر: قفز صافي التدفق الداخلي إلى 9.3 مليار دولار (مقابل 6.0 مليار دولار للفترة المناظرة)، مدعومًا بتنفيذ صفقة "علم الروم" البالغة قيمتها 3.5 مليار دولار في الربع الثاني.
تحويلات المصريين بالخارج: ارتفعت بنسبة قياسية بلغت 29.6% لتسجل 22.1 مليار دولار مقابل 17.1 مليار دولار.
الاحتياطيات الدولية: حققت مصر أعلى مستوى في تاريخها ليرتفع صافي الاحتياطي إلى 52.8 مليار دولار في مارس 2026 مقارنة بـ 47.8 مليار دولار في مارس 2025.
3. السياسة النقدية ومعركة التضخم
أدت التوترات الجيوسياسية إلى عودة التضخم السنوي للارتفاع طرديًا ليسجل 15.2% في مارس 2026 (مقارنة بـ 13.4% في فبراير)، بينما ارتفع التضخم الأساسي السنوي إلى 14.0%. ومع ذلك، انخفض التضخم الأساسي على أساس شهري إلى 2.0% في مارس مقارنة بـ 3.0% في فبراير.
واستهدافًا لتضخم في حدود 7% (pm 2 نقطة مئوية)، وانتقل البنك المركزي المصري رسميًا من مرحلة التشديد الحاد إلى دورة تيسير تدريجي استمرت من مارس 2024 حتى مارس 2026. وتزامن ذلك مع نمو قوي في ودائع الجهاز المصرفي التي قفزت إلى 15.77 تريليون جنيه بنهاية ديسمبر 2025، وتوسع ائتمان القطاع الخاص للربع الثامن على التوالي بمتوسط نمو حقيقي 14.5%، ليبلغ رصيد ائتمان قطاع الأعمال الخاص 5.10 تريليون جنيه.
4. موازنة مستدامة وفائض أولي قياسي
أظهر الأداء المالي نجاحًا ملموسًا لبرنامج الإصلاح خلال الفترة (يوليو - مارس 2025 / 2026):
الفائض الأولي: قفز إلى 3.5% من الناتج المحلي (749 مليار جنيه) مقارنة بـ 2.4% في العام السابق.
العجز الكلي: تراجع بنسبة 0.8% ليصل إلى 5.2% من الناتج المحلي.
الإيرادات: نمت الإيرادات الضريبية بنسبة 29.0% دون فرض أعباء جديدة نتيجة الامتثال وتوسيع القاعدة، في حين قفزت الإيرادات غير الضريبية بنسبة 72.0% مدعومة بـ 167 مليار جنيه من صفقة "علم الروم".
المصروفات: ارتفعت بنسبة 21.0% مدفوعة بزيادة الاستثمارات العامة بنسبة 48.0%، ومن المتوقع أن تبلغ إجمالي المصروفات بنهاية العام المالي الحالي نحو 4.1 تريليون جنيه بمعدل نمو 17.0%.
أخبار متعلقة :