موقع تن لاينز الإخباري

إيران وأمريكا.. لماذا تتقدم لغة السلاح على لغة السياسة؟

لم تمضِ سوى أيام قليلة على توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، حتى عادت لغة السلاح لتفرض نفسها على المشهد، مهددة بنسف المسار الدبلوماسي قبل أن يبدأ فعليًا.

التفاهم الذي عد خطوة نحو احتواء التوتر وفتح الباب أمام مفاوضات جديدة بشأن الملف النووي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، يجد نفسه اليوم أمام اختبار غير مسبوق، بعد تبادل الضربات العسكرية والاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار.

وجاء هذا التصعيد للمرة الثانية منذ توقيع المذكرة في 18 يونيو الجاري، بعدما شنت الولايات المتحدة ضربات استهدفت مواقع ساحلية إيرانية.

وقالت القيادة المركزية الأمريكية سنتكوم) إن العملية جاءت ردًا على هجوم إيراني استهدف ناقلة نفط في مضيق هرمز، إضافة إلى استهداف قدرات مرتبطة بزرع الألغام، مؤكدة أن مقاتلات من البحرية وسلاح الجو الأمريكي نفذت غارات على عشرة أهداف عسكرية داخل المضيق ومحيطه.

وفي المقابل، اعتبر الحرس الثوري الإيراني أن الضربات الأمريكية تمثل انتهاكًا صريحًا لبنود مذكرة التفاهم، مؤكدًا أن واشنطن استهدفت خمسة مواقع ساحلية بذريعة تعامل البحرية الإيرانية مع سفينة مخالفة في مضيق هرمز. وردت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت، بحسب بيانها، ثمانية مواقع للجيش الأمريكى، بينها قاعدة علي السالم في الكويت ومواقع تابعة للأسطول الخامس في البحرين، مع التهديد بتشديد الإجراءات ضد أي سفينة ترى أنها تخالف الترتيبات المنظمة لحركة الملاحة في المضيق.

ويعكس هذا التطور انتقال الخلاف من مرحلة تفسير بنود الاتفاق إلى مرحلة التطبيق الميداني، حيث يحاول كل طرف فرض رؤيته الخاصة لمذكرة التفاهم.

واشنطن تعتبر أن عملياتها تأتي في إطار حماية حرية الملاحة والرد على أي تهديد للمصالح الدولية، بينما تؤكد طهران أن مسؤولية تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز تدخل ضمن التفاهمات التي نصت عليها المذكرة، وأن أي تحرك أمريكي خارج هذا الإطار يمثل خرقًا مباشرًا للاتفاق.

ولا يقتصر الخلاف على تفسير النصوص، بل يمتد إلى أزمة ثقة مزمنة بين الجانبين، وهي الأزمة التي تبدو اليوم العامل الأكثر تهديدًا لبقاء الاتفاق.

رغم أن مذكرة إسلام آباد صممت  لتكون مدخلًا إلى مرحلة تفاوضية تمتد ستين يومًا، فإن استمرار العمليات العسكرية يضع مستقبلها على المحك، ويثير تساؤلات حول قدرة الطرفين على الفصل بين الخلافات الميدانية والمسار السياسي.

وتتجسد هذه الأزمة في النظرة المتبادلة بين الطرفين؛إيران ترى أن الولايات المتحدة قد تستغل أي تطور أمني لتوسيع وجودها العسكري وفرض واقع جديد في مضيق هرمز، بينما تنظر واشنطن إلى التحركات الإيرانية باعتبارها محاولة لتعزيز النفوذ العسكري وفرض سيطرة أكبر على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ومن ثم، فإن كل حادث ميداني يتحول سريعًا إلى أزمة سياسية تهدد ما تحقق على طاولة التفاوض.

وزاد من حدة التوتر التصعيد السياسي الصادر عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لوح بالعودة إلى الخيار العسكري، محذرًا من أن استمرار ما وصفه بانتهاكات إيران لوقف إطلاق النار قد يدفع الولايات المتحدة إلى استكمال العمليات العسكرية.

كما أكد أن الضربات الجوية الأخيرة جاءت ردًا على خرق إيراني للاتفاق، مضيفًا أن هناك مرحلة قد "لا تكون فيها الولايات المتحدة قادرة على التصرف بعقلانية"، في إشارة إلى احتمال الانتقال إلى مواجهة أوسع.

وفي المقابل، شدد المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني حسين محبي على أن الولايات المتحدة “غير موثوقة”، وقد تقدم على خطوات تصعيدية في أي وقت، مؤكدًا أن إيران سترد على أي اعتداء بشكل أشد من سابقه، وأن كل خرق جديد لوقف إطلاق النار سيقابله رد عسكري أكثر قوة.

وفي محاولة لاحتواء التصعيد، حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن أي تجاوز للترتيبات التي نصت عليها مذكرة التفاهم سيؤدي إلى تعقيد المشهد الإقليمي، وتأخير إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة أمام حركة الملاحة، مؤكدًا أن الالتزام بالاتفاق يمثل السبيل الوحيد لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة.

تبدو مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية أمام أخطر اختبار منذ توقيعها في إسلام آباد.التصعيد العسكري المتبادل لم يعد يهدد مستقبل الاتفاق فحسب، بل أعاد العلاقة بين واشنطن وطهران إلى حافة المواجهة، في ظل أزمة ثقة متجذرة تجعل الدبلوماسية رهينة للتطورات الميدانية.

وبين الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تثبيت التهدئة، والتهديدات المتبادلة بالعودة إلى الخيار العسكري، يبقى مستقبل التفاهم مرهونًا بقدرة الطرفين على احتواء التصعيد. وإلا، فإن المنطقة قد تجد نفسها مجددًا أمام المربع الأول، حيث تتقدم لغة السلاح على لغة السياسة، ويصبح اتفاق إسلام آباد مهددًا بالانهيار قبل أن يحقق أهدافه.

أخبار متعلقة :