علق عدد من الخبراء والمختصين على تساؤلات المواطنين عن أسباب تأخر تراجع أسعار بعض السلع والمنتجات محليًا رغم انخفاضها عالميًا خلال الأيام الماضية، موضحين أن الأمر يرتبط بسلسلة معقدة من العوامل الاقتصادية والتجارية التى تؤخر انعكاس تراجع الأسعار فى البورصات العالمية على رفوف المتاجر المصرية.
وأوضح الخبراء، خلال حديثهم لـ«الدستور»، أن انعكاسات الأوضاع العالمية على رفوف المتاجر المصرية لا تحدث بصورة تلقائية، بل تحتاج إلى بعض الوقت، مؤكدين فى الإطار ذاته أهمية ضبط الأسواق ومواجهة جشع التجار، مع زيادة المعروض المحلى من السلع والخدمات، لتلبية الاحتياجات المتنامية نتيجة الزيادة السكانية.
«التموين»: بعض السلع تراجع بالفعل مقارنة بمستويات الذروة التضخمية
أوضح مصدر بالشركة القابضة للصناعات الغذائية، التابعة لوزارة التموين والتجارة الداخلية، إن أسعار بعض السلع الغذائية تراجعت فى الأسواق العالمية، بفضل تحسن الإنتاج واستقرار سلاسل الإمداد وتراجع ضغوط جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.
وأوضح المصدر: «أبرز السلع التى تراجعت هى القمح والزيوت النباتية والسكر والذرة وفول الصويا، وهى جميعها سلع تعتمد عليها مصر بدرجات متفاوتة، سواء فى الاستهلاك المباشر أو فى الصناعات الغذائية وإنتاج الأعلاف».
وتابع: «كما تراجعت تكاليف الشحن البحرى مقارنة بالمستويات القياسية التى سجلتها خلال السنوات الماضية، الأمر الذى خفف من أعباء الاستيراد على العديد من الدول المستوردة للغذاء، ومن بينها مصر»، لافتًا إلى أنه «على المستوى المحلى، تؤكد وزارة التموين والتجارة الداخلية أن أسعار بعض السلع تراجعت بالفعل فى السوق المصرية، مقارنة بالمستويات التى سجلتها خلال فترات الذروة التضخمية».
وأضاف: «المعضلة الحقيقية تكمن فى أن انخفاض الأسعار عالميًا لا يعنى بالضرورة أن تنخفض الأسعار محليًا فى اليوم التالى؛ إذ توجد فجوة زمنية بين الأمرين قد تمتد لعدة أشهر، ومن الأسباب أن جزءًا من السلع المطروحة حاليًا فى الأسواق جرى استيراده عندما كانت الأسعار العالمية أعلى من مستوياتها الحالية، وبالتالى فإن التجار والمستوردين يتعاملون مع مخزون تم شراؤه بتكلفة مرتفعة نسبيًا».
وأكمل: «أما السبب الثانى فيتعلق بتكاليف النقل والتخزين والتوزيع داخل السوق المحلية، وهى عناصر تضيف أعباءً على السعر النهائى للسلعة بصرف النظر عن سعرها العالمى، كما تلعب أسعار الطاقة والكهرباء ومستلزمات التشغيل دورًا مهمًا فى تحديد تكلفة الإنتاج والتداول، خاصة بالنسبة للسلع المصنعة أو المعبأة محليًا».
وأكد: «كما يظل سعر الصرف أحد أهم العوامل المؤثرة فى السوق المصرية؛ إذ ترتبط تكلفة الاستيراد بشكل مباشر بسعر العملة الأجنبية، ما يجعل أى انخفاض عالمى أقل تأثيرًا إذا لم يصاحبه استقرار فى تكلفة الاستيراد».
وأوضح: «تسهم أيضًا حلقات التداول المتعددة بين المستورد وتاجر الجملة وتاجر التجزئة فى إبطاء انتقال الانخفاضات السعرية إلى المستهلك النهائى، ولا يمكن إغفال أن بعض السلع الغذائية تعتمد بشكل أساسى على الإنتاج المحلى وليس على الاستيراد، وبالتالى فإن أسعارها تتأثر بتكاليف الزراعة والنقل والعمالة ومدخلات الإنتاج أكثر من تأثرها بالسعر العالمى».
«حماية المستهلك»: اتجاه لرفع غرامة «التلاعب» إلى 3 ملايين جنيه
ذكر إبراهيم السجينى، رئيس جهاز حماية المستهلك، أن تشديد الرقابة على الأسواق ومواجهة الممارسات الاحتكارية يعدان عنصرين أساسيين لضمان انتقال أى انخفاضات عالمية إلى المستهلك النهائى وعدم احتجازها داخل حلقات التداول.
وأكد السجينى أن الجهاز كثف من حملاته الرقابية خلال الفترة الماضية لمواجهة أى محاولات لحجب السلع أو التلاعب بالأسعار أو استغلال المستهلكين، مشيرًا إلى أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على تراجع تكلفة السلع عالميًا، وإنما أيضًا على مدى التزام حلقات التداول والتجارة بعكس هذه التراجعات على الأسعار النهائية.
وأوضح أن الجهاز يعتمد على منظومة رقابية متكاملة تشمل الحملات الميدانية الدورية والمفاجئة على مستوى الجمهورية، إلى جانب المتابعة اللحظية للأسواق والأسعار ورصد حركة تداول السلع من المورد وحتى المستهلك النهائى، بما يساعد على كشف أى زيادات غير مبررة أو ممارسات احتكارية.
وشدد على أن الجهاز يرصد بصورة مستمرة أى فروق بين الأسعار المعلنة والأسعار الفعلية عند البيع، ويتخذ إجراءات قانونية حاسمة ضد المخالفين، لافتًا إلى أن الإعلان الواضح عن الأسعار حق أصيل للمستهلك لا يجوز التلاعب به.
وكشف عن توجه لتعديل بعض مواد قانون حماية المستهلك لمواكبة التطورات الحالية فى الأسواق، خاصة فيما يتعلق بمواجهة حجب السلع والتلاعب بالأسعار؛ إذ تتضمن المقترحات الجديدة تشديد العقوبات ورفع الغرامات إلى ٣ ملايين جنيه، مع إمكانية غلق المنشآت أو إلغاء التراخيص والحبس فى بعض الحالات الجسيمة.
«جمعية الإصلاح الزراعى»: جشع التجار والزيادة السكانية وراء الظاهرة
رأى هشام سالم، رئيس الجمعية العامة للإصلاح الزراعى، أن عددًا من المشكلات الرئيسة، من بينها الزيادة السكانية وعدم كفاءة ضبط الأسواق وجشع بعض التجار، تقف وراء عدم انخفاض أسعار بعض السلع والمنتجات فى مصر، رغم انخفاضها عالميًا خلال الفترة الأخيرة.
وقال «سالم»: «بعض التجار يرفضون تخفيض الأسعار رغم انخفاضها فى الخارج، وقد انخفضت أسعار الفول ولم ينخفض سعر شطيرة الفول، وانخفضت أسعار الغاز والأسمدة والأعلاف ولم تنخفض فى مصر، نتيجة جشع بعض التجار ورغبتهم فى تحقيق أرباح فى أوقات الأزمات، كما أن من استورد بالسعر المرتفع فى وقت سابق يرفض تخفيض أسعار السلعة، رغم أن السوق عرض وطلب».
وأكد أهمية توسيع نطاق منافذ البيع التابعة لوزارة الزراعة فى جميع المحافظات، وتفعيل ثقافة المقاطعة للسلع مرتفعة السعر، لمواجهة جشع التجار، والتركيز على شراء الضروريات فقط لتقليل الضغط على السوق.
وأضاف: «من الضرورى أيضًا البحث عن حلول، مثل زيادة الإنتاج المحلى لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وافتتاح مصانع جديدة لتشغيل الشباب واستغلال الطاقة البشرية، بالإضافة إلى المقاطعة لمن يرفع الأسعار من قبل المستهلكين».
وتابع: «مصر تستورد أكثر من استهلاكها، والزيادة السكانية تلتهم الإنتاج، والحل هو تكثيف الإنتاج، وحاليًا يعمل جهاز (مستقبل مصر) على استصلاح مساحات كبيرة لزيادة الرقعة الزراعية وتشغيل العمالة، ما يوفر السلع بأسعار فى متناول الجميع ويُحدث رواجًا فى الأسواق».
«منتجى الخضروات»: الأمر مرهون بتكاليف الإنتاج وتوافر المواد المستوردة
شدد المهندس محمود الطوخى، رئيس الجمعية العامة لمنتجى الخضر والفاكهة، على أن ارتفاع وانخفاض الأسعار فى مصر يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالأسواق العالمية ومدخلات الإنتاج، وعلى رأسها الأسمدة والأعلاف والأيدى العاملة؛ موضحًا أن انخفاض الأسعار محليًا مرهون بتراجع تكاليف الإنتاج وتوافر المواد الخام المستوردة من الخارج، خاصة من روسيا وأوكرانيا.
وشدد «الطوخى» على ضرورة مراقبة أسعار مدخلات الإنتاج العالمية، من أسمدة، وأعلاف، ومبيدات، مع رصد تأثيرها المحلى بشكل عادل، وتقييم العلاقة بين تكاليف النقل والطاقة وأجور الأيدى العاملة وإجمالى أسعار السلع النهائية.
وقال: «من الضرورى تتبع أسعار بعض المحاصيل الاستراتيجية عالميًا، مثل الذرة وفول الصويا، ورصد تأثير تدفقها وأسعارها على قطاع الدواجن واللحوم، وكذلك رصد تكلفة زراعة الفدان من المحاصيل الأساسية بعد انخفاض أسعار الأسمدة، والتأكد من أن انخفاض أسعار المستلزمات فى الأسواق العالمية يقابله انخفاض فى أسعار المحاصيل والسلع بالأسواق».
وتابع: «أسعار اللحوم والدواجن مرتبطة ارتباطًا كليًا بأسعار الأعلاف، التى تأثرت بالحرب الروسية الأوكرانية، ومن الضرورى فى حال انخفاض الأسعار عالميًا أن تنخفض الأسعار محليًا، الأمر الذى يمكن قياسه والتأكد منه، والأمر نفسه فى حالة أسعار الأسمدة وعلاقتها بالمحاصيل الزراعية، خاصة أن أسعار الأسمدة شهدت فى الآونة الأخيرة تراجع سعر الشكارة من ١٦٠٠ جنيه إلى ١٢٠٠ جنيه، وهو ما يعود بالنفع على المزارعين، ومن المفترض أن يؤدى إلى انخفاض أسعار الخضروات والفاكهة والمحاصيل».
أما حاتم نجيب، عضو شعبة الخضروات والفاكهة، فأوضح أن الأسواق المحلية تشهد خلال الفترة الحالية حالة من التراجع فى أسعار عدد من السلع الغذائية، خاصة الخضروات والفاكهة، مقارنة بالفترات السابقة، وهو ما يعكس تحسنًا نسبيًا فى مستويات المعروض المحلى، بالتزامن مع دخول مواسم إنتاج قوية.
وأشار «نجيب» إلى أن هذا التراجع لا يمكن فصله عن الطبيعة الموسمية للإنتاج الزراعى فى مصر، إذ تؤدى وفرة بعض المحاصيل خلال ذروة المواسم إلى زيادة الكميات المطروحة فى الأسواق، ما يسهم بشكل مباشر فى خفض الأسعار نتيجة تحسن التوازن بين العرض والطلب.
وأضاف: «بعض الأصناف شهدت انخفاضات ملحوظة فى الأسعار وصلت فى بعض الحالات إلى نحو ٥٠٪ مقارنة بالفترة الماضية، وهو ما يعد انعكاسًا مباشرًا لزيادة الإنتاج المحلى من جهة، وتحسن سلاسل الإمداد داخل الأسواق من جهة أخرى، إلى جانب المنافسة بين التجار، التى تلعب دورًا مهمًا فى ضبط مستويات الأسعار».
وتابع: «بالإضافة إلى ذلك، فإن استقرار حركة النقل وتوافر المنتجات الزراعية بكميات كافية فى أسواق الجملة أسهما بشكل كبير فى تقليل الضغوط السعرية على المستهلك النهائى، ما يعنى أن الأسواق تشهد حاليًا حالة من الوفرة النسبية فى عدد من الأصناف الأساسية».
وأردف: «استقرار أسعار بعض مستلزمات الإنتاج الزراعى انعكس إيجابًا على تكلفة الإنتاج النهائى للعديد من المحاصيل، والسوق الزراعية بطبيعتها تتسم بالتذبذب، وفقًا للعوامل المناخية ودورات الإنتاج، إذ تتغير الأسعار بشكل مستمر تبعًا لحجم المعروض وجودته وتوقيت الحصاد، إضافة إلى الظروف الجوية التى تؤثر بشكل مباشر على الإنتاجية».
وأكمل: «استمرار هذا الاتجاه التراجعى فى الأسعار مرهون باستمرار وفرة المعروض خلال الموسم الحالى، وعدم حدوث أى اضطرابات فى سلاسل الإمداد أو الإنتاج، لأن أى تغير فى الظروف المناخية أو الإنتاجية قد ينعكس سريعًا على حركة الأسعار».
أخبار متعلقة :