يوضح عدنان بن سلمان في كتابه "أسرار التوازن بين الشباب والفتيات" أنه من خلال دراسته في مجال التوجيه والإرشاد والعمل التربوي اكتشف أن الشاب لا يحتاج إلى المزيد من الأوامر بقدر حاجته إلى بوصلة تذكره بالاتجاه الصحيح كلما اختلطت عليه الطرق، وأن الفتاة لا تحتاج دائمًا إلى قائمة من المحظورات بل إلى إيمان يزرع في القلب يعلمها كيف تختار وكيف تكون متوازنة.
يتحدث الكتاب عن التوزان في الإسلام، والتوازن في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف يتوازن الشباب داخليًا؟ ولماذا يحتاج الشباب إلى التوازن؟ ولماذ يفقد الإنسان توازنه؟ وكيف يمكن إدارة الأفكار السلبية؟ ومن يتحكم في الإنسان العقل أم العاطفة؟ وكيف يفكر العقل المتزن؟ وأثر التكنولوجيا على التوازن في حياتنا.
في السطور التالية نتناول مقتطفات من كتاب "أسرار التوزان للشباب والفتيات للأستاذ عدنان بن سلمان"
• التوازن في الإسلام معناه أن يعيش الإنسان جميع جوانب حياته بسلام، دون أن يطغي جانب على آخر، والتوازن لا يعني تقسيم الوقت بالتساوي لكنه يعني إعطاء كل ذي حق حقه، الإسلام دين واقعي، فهو يتعامل مع الإنسان ويعلم أنه يضعف ويمل ويخطئ ويتردد، ولذا لم يقل القرآن: لا تخطئوا، بل قال تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم" أى أن الخطأ جزء من الطبيعة البشرية، فإذا أخطأ الإنسان تاب إلى الله واستغفر.
• الرسول صلى الله عليه وسلم هو أعظم نموذج للتوازن في التاريخ فقد كان عبدًا لله بلا غلو وقائدًا بلا قسوة، وما خير الرسول بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فالرسول كان حازمًا ورحيمًا والحزم لا يعني قسوة القلب، والرحمة لا تعني تمييع الحق، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يساعد أهله ويشاركهم، وكان يعدل بين زوجاته في النفقة والمبيت، ويستغفر الله إن مال قلبه، لأن التوازن الأسري يتحقق من خلال أعمال صغيرة يومية تصنع السكن والرحمة والمودة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أشجع الناس لكنه لم يكن متهورًا، كان يجمع بين الإيمان بالله والأخذ بالأسباب فعندما هاجر من مكة إلى المدينة خطط للهجرة بدقة واختار الرفيق واستعان بدليل ماهر وكان قلبه مطمئنًا بالله.
• التوازن الداخلي: هو أن يعيش المرء في انسجام بين ما يؤمن به وما يفعله، وما يريده وما يستطيع تحمله، وبين مطالب الروح وحاجات الجسد، وعندما يختل هذا الانسجام يبدأ القلق ويكثر التشتت ويضيع التركيز.
• التوازن الداخلي ليس غيابًا للألم بل القدرة على تحمله دون أن يكسرنا، وليس أن تكون بلا خوف، ولا أن تكون حياتك خالية من الصراعات، بل أن تكون قلوبنا في مأمن، فمن صلح قلبه هدأت جوارجة، ومن عرف السكينة لم تضله زحمة الطريق.
• التوازن يعنى أن تعرف متى تسير بسرعة؟ ومتى تتوقف؟ ومتى ترتاح؟ ومتى تنطلق ؟ ومتى تتأمل؟
أسباب فقدان التوازن
• من طبيعة الإنسان أنه متقلب في حياته، ومن طبيعة النفس أنها تميل للتطرف في المشاعر وردود الأفعال: تبالغ في الخوف وتبالغ في الفرح، وكثيرًا ما يحمل الإنسان نفسه فوق طاقتها بكثير من الأعمال والمقارنات والسهر والفوضى في تناول الغذاء كل هذه الأمور تؤدي إلى أن يفقد الإنسان توازنه.
• التعلق الزائد بالأشياء أو الأشخاص يجعل الإنسان يفقد توازنه عند أول خسارة.
• الذنوب الخفية.. الذنوب لا تسقط الإنسان فجأة بل تسحب الطمأنينة من قلبه تدريجيًا فيصبح سريع الغضب، سريع الحزن، قليل الصبر، حتى يفقد توازنه قال الله تعالى "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا".
أنواع التوازن
• التوازن الروحي هو الأساس الذي تبنى عليه بقية الجوانب، فالقلب إذا اضطرب اضطرب الفكر وتشوهت العاطفة وتبعثرت القرارات، والروح لا تستقر إلا إذا اتصلت بمصدرها الأعلى وهو الله عز وجل قال الله تعالى "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، التوازن الروحي لا يغير الواقع لكنه يغير طريقة التعايش معه.
• التوازن العقلي وهو أن يفكر الشاب بوعي وأن يفرق بين ما يستطيع التحكم فيه، وما يسلمه لله.
• التوازن العاطفي وهو قدرة الإنسان على إدراك مشاعره، والتعامل معها بوعي وحكمة فالشخص المتوازن عاطفيًا يغضب لكنه لا يظلم، يحب لكنه لا يتعلق تعلقًا مرضيًا، يفرح دون إسراف ويحزن دون يأس، تعد مهارة الصبر والتأني من أعظم مهارات الاتزان العاطفي قال الله تعالى "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس".
• التوازن المالي من الأمور المهمة في حياة الشباب والفتيات والتوازن المالي يعني أن يعرف كيف يوزع دخله بوعي، فجزء لسد احتياجاته الأساسية، وجزء للإدخار وجزء للترفيه المباح دون أن يرهق نفسه بدين.
• الاتزان المالي يتحقق من خلال تحديد الأولويات بحيث يسأل الإنسان نفسه هل هذا ضرورة أم رغبة، ويضع ميزانية شهرية ولو بسيطة، ويقوم بادخار مبلغ من دخله بشكل منتظم لأن الادخار ليس حرمانًا بل أمان للمستقبل.
مفهوم القوة في الإسلام وتقبل الاختلاف:
• الاختلاف سنة كونية لكن غياب فن الحوار بين الناس يحول الاختلاف من نعمة إلى نقمة ومن فرصة للنمو إلى سبب للخصام والنزاع، وقد أمرنا الإسلام أن نتعامل باحترام مع من نختلف معهم، فلا يجوز أن تهين شخصًا لأنه اختلف معك، ولا يعني احترام الرأي الآخر القبول بكل آرائه، قال الإمام الشافعي رحمه الله "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"
• كان لعلي بن الحسين جارية وبينما كانت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة سقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه، فرفع علي بن الحسين رأسه إليها، فقالت الجارية إن الله عز وجل يقول: والكاظمين الغيظ فقال لها: كظمت غيظي. قالت: والعافين عن الناس فقال لها عفا الله عنك، قالت والله يحب المحسنين قال: أذهبي فأنت حرة.
• أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مفهوم القوة في الإسلام حين قال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" كما تتجلى عظمة شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة عفا عن أهلها وقال لهم "إذهبوا فأنتم الطلقاء".
سمات العقل المتزن:
• العقل المتزن يفكر بوعي لا انفعال، عندما ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام طردوه فلم يدعو عليهم، وقال صلى الله عليه وسلم" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"
• العقل المتزن يرى الصورة الكاملة لا جزءًا منها.. قال الله تعالى "فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا"، وفي قصة سيدنا يوسف عليه السلام لم يختزل حياته في سنوات السجن بل نظر إلى أحداث حياته كلها ثم قال "يأ أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي، إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم".
• العقل المتزن لا يفكر بمنطق الضحية بل يفكر بمنطق المسؤولية ولا يعلق فشله على الظروف والناس، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا".
• العقل المتزن يوازن بين العقل والقلب فهو لا يلغي المشاعر ولا يحكم بها وحدها فعندما مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم بكت عيناه حزنًا على فراق ولده وقال: "إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلى ما يرضي ربنا".
كيف تدير أخطر المعارك داخلك؟
• إن أكثر المعارك التي تحدث في حياة الإنسان تكون من داخل عقله وليس خارجه، ولكي تستطيع إدارة الأفكار السلبية لا بد أن تعرف أن كل فكرة تخطر على بالك ليست حقيقة وأن تتعلم كيف توقف تيار الأفكار السلبية وألا تسترسل معها، وأعظم علاج للأفكار السلبية هو ذكر الله.
• حين يتسلط العقل بلا عاطفة يصنع قرارات باردة وقاسية قد تكون صحيحة لكنها مؤلمة من الناحية الإنسانية، وحين تنفرد العاطفة بالقيادة يضيق الأفق ويتخذ المرء قرارات متسرعة، فعندما رأ ى سيدنا موسى عليه السلام في شبابه الظلم تحرك بدافع العاطفة فنصر المظلوم لكن اندفاعه أدى إلى القتل الخاطئ.
• القلب هو مركز القيادة للعقل والعاطفة، قال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
• جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب النصيحة، فقال له: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك"، وهذه ليست مجرد كلمات بل خريطة حياة للشباب وهم في مرحلة الطاقة فإن لم تستثمر طاقتهم ضاعت بلا عوض،وتذكر أن يومك هو صورتك المصغرة ومرآة مستقبلك، فإذا كان يومك ضائعًا كان مستقبلك مهددًا، وإن كان متوازنًا كان مستقبلك مطمئنًا.
كيف تختار من يعينك في طريق التوازن ؟
• التوازن في حياة الشباب لا يأتي من فراغ، فالنفس تضعف، والفتن تتعدد لذلك جعل الله للإنسان رفقاء في مسيرته يكونون عونًا له على التوازن، فالشخص المتوازن هو من يذكرك بالله دون تعالٍ وينصحك دون تجريح ويسمعك دون أن يحاكمك ويقومك دون أن يكسر قلبك. قال صلى الله عليه وسلم: "لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي".
• من يعينك على التوازن لا يهون المعصية ولا يجمل الخطأ،ولا يشجعك على الهروب من المسئولية، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه " رحم الله امرأ، أهدي إلى عيوبي".
• تذكر أنه ليس كل من سار معك اعتبرته رفيق طريق، وليس كل من أطال الجلوس معك صار أهلًا للثقة.
الحدود الشخصية ولغة الجسد
• يحتاج الشباب إلى الحدود الشخصية، لأنها تحميهم من الاستغلال العاطفي والاجتماعي وضغط الأصدقاء بالموافقة على أمر مكروة، ومن التعلق المؤذي، ومن ضياع الوقت والطاقة، وفقدان احترام الذات.
• الحدود الشخصية ليست جدرانا يعزلنا عن الناس، بل هي بوابات تنظم العبور إلى قلوبنا لأن من يضيع حدوده سيتعب قلبه ويضطرب ميزانه ولو بدا للناس لطيفًا ومحبوبًا.
• احرص على فهم لغة جسدك لأن الجسد يعكس حالتنا النفسية والعاطفية بصدق، وأجسادنا ليست آلات صامتة تعمل بلا توقف بل هي أمانة حية تتأثر بما نأكله وبما نشعر به وبما نفكر فيه وبما نحمله من أعباء، وهناك اشياء ترهق الجسد وتخل توازنه كالسهر المزمن على الشاشات، والضغط المستمر بلا فواصل، والافراط في الطعام أو إهماله.
العلاقات السامة
• إن العلاقات السامة تؤثر على توزان الشباب، والعلاقة السامة هي تلك العلاقة التي تجعل الإنسان ضعيف نفسيًا وعاطفيًا وفكريًا بدلًا من أن تدعمه وتعينه تستنزف طاقته وتغذي روحه بمشاعر الخوف والقلق والشعور وفقدان الثقة والدونية.
• لكي يحمي الشاب نفسه من العلاقات السامة عليه أن يعرف قيمته جيدًا، وأن يراقب شعوره بعد كل علاقة هل نفسه ترتاح أم تستنزف؟ وأن يضع حدودًا واضحة ولا يخجل منها، ولا يبرر الأذى باسم الحب أو الصداقة، وأن يختار من يعينه على الخير ويذكره بالله، ولا تجعل علاقتك مع الله موسمية، فالتدين الحقيقي ليس في كثرة العمل المؤقت بل في دوام الصلة بالله.
التكنولوجيا وأثرها على الشباب
• الموبيل والإنترنيت هذه التقنيات سلاح ذو حدين قد تقربك من الله أو تبعدك عنه.
• كثرة تصفح القنوات الإعلامية يؤدي إلى تشتت الذهن والشعور الدائم بعدم الرضا لأنك ترى حياة مثالية على الشاشة فتشعر أن حياتك ناقصة رغم أنها طبيعية وجميلة.
• من آثار التكنولوجيا أنها جعلت لكل فرد في الأسرة عالمه الخاص مما يؤدي إلى التفكك الصامت،كما اصبحت العلاقات الاجتماعية علاقات سطحية..تواصل عبر الرسائل فقط.
كيف تحقق التوازن في عصر التقنية؟
• حتى تحقق التوزان في عصر التقنية عليك أن تحدد وقتًا لاستخدام الهاتف والتلفاز، وأن تلغي التطبيقات غير المفيدة، وأن تجعل لك أوقات بلا شاشة، وأن يكون استخدامك للتقنية للتعلم وليس للهروب.
لماذا يفقد الكثير من الشباب في عصرنا الحالي السكينة؟
• هناك إجابات عديدة منها الانشغال الدائم، لا وقت للتفكير، لا وقت للتأمل، هاتف لا يصمت، إشعارات لا تنتهي، ضعف الصلة بالله، والقلب إذا امتلأ بالدنيا ضاقت عليه نفسه ولم يبق فيه مكان للسكينة.
• السكينة لا تشترى بالمال ولا تجلب بالمظاهر، بل تبنى من الداخل لذا جرب أن تتوقف قليلًا أحيانًا لا تكون المشكلة في حياتك بل في سرعتها.
• هناك بعض العلاقات الاجتماعية التي تؤثر على سكينة القلب وتزيد من القلق لذا اختر من يضيف إلى قلبك هدوءًا واجعل لك ورد يومي من الذكر وابتعد عن المقارنات واشكر الله على كل ما أنعمه عليك.
• نعمة العافية هي بوابة الاتزان الداخلي، العافية ليست مجرد سلامة الجسد بل تشمل سكينة القلب وصفاء الفكر وطمأنينة الروح لذا قال صلى الله عليه وسلم "سلوا الله العفو والعافية فإن أحدًا لم يعطى بعد اليقين خيرًا من العافية".
• قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وابشروا ويسروا " أي أن المبالغة والتشدد قد تقودك إلى الانقطاع فليس المطلوب منك أن تعتزل الحياة لتكون صالحًا بل أن تعيشها بقلب صالح.
• ليس كل من يتكلم في العلم يؤخذ عنه لذا اختر من تثق بعلمه ومنهجه وليس من يجذبك أسلوبه فقط.
• قال ابن تيمية رحمه الله عن السكينة " إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهي طمأنية القلب بالله مهما ازدحم العقل بالضغوط".
أخبار متعلقة :