هناك ثورات تندلع لأن الناس تحلم بمستقبل أفضل، وهناك ثورات تقوم لأن الوطن نفسه يصبح في خطر، فلا يعود أمام الشعوب سوى أن تنهض دفاعًا عن حقها في البقاء، ومن هذا النوع كانت ثورة الثلاثين من يونيو، لم تكن فسحة فكرية ولا ترفًا سياسيًا، ولم تكن مجرد اختلاف في وجهات النظر بين حكومة ومعارضة، بل كانت ثورة الضرورة، حين شعر المصريون أن دولتهم تُختطف، وأن هويتهم تتعرض لمحاولة إعادة تشكيل قسرية، وأن التاريخ الممتد لآلاف السنين يُراد له أن ينكمش داخل رؤية جماعة ترى نفسها الوطن، وترى غيرها مجرد ضيوف على أرضه.
عام واحد كان كافيًا لكي تتكشف الحقائق التي حاولت شعارات المتاجرين بالدين أن تخفيها، فمنذ اللحظة الأولى لوصول جماعة الإخوان إلى الحكم، لم يكن الهم الأكبر هو بناء دولة حديثة تستوعب الجميع، وإنما كان الشروع في أخونة مؤسسات الدولة، وإحكام القبضة على مفاصلها، وكأن ثورة يناير لم يقدم فيها أبناء الوطن من مختلف الاتجاهات دماءهم وأحلامهم إلا لتؤول ثمارها إلى جماعة واحدة تحتكر السلطة كما احتكرت من قبل الحديث باسم الدين.
وهذه هي المعضلة الكبرى في تجربة تيارات المتاجرة بالدين، فهي لا تكتفي بالمنافسة السياسية، وإنما تقفز فوق الواقع كله لتؤممه لحسابها، باعتبارها المالك الوحيد للحقيقة، وكل من يختلف معها يصبح خصمًا للعقيدة قبل أن يكون خصمًا في السياسة، وتتحول المعارضة إلى خطيئة، ويصبح التنوع الذي يميز المجتمع خطرًا ينبغي التخلص منه، لا ثراءً يجب الحفاظ عليه.
ولأن التاريخ لا يرحم، فقد أثبتت التجربة سريعًا أن الشعارات شيء، وإدارة الدولة شيء آخر، انكشفت العورات السياسية، وظهرت محدودية الرؤية، وغابت الكفاءة أمام سطوة التنظيم، بينما كانت مصر، الدولة التي اعتادت أن تتنفس التنوع والانفتاح، تُدفع نحو طريق ضيق لا يتسع إلا لأصحاب الفكر الواحد.
وكان الأخطر أن هذا المسار لم يكن يهدد السياسة وحدها، بل كان يهدد فكرة الوطن نفسها، فحين تتحول مصر، بكل حضارتها وتاريخها، إلى مجرد محطة عابرة في مشروع أممي لا يعترف بحدود الأوطان، يصبح الدفاع عن الدولة واجبًا وطنيًا. وحين يشعر الأقباط أن حرياتهم مهددة، ويشعر المثقف أن كلمته أصبحت هدفًا، ويشعر الفنان أن الإبداع صار متهمًا، ويشعر المواطن العادي أن الاختلاف أصبح جريمة، فإن الوطن كله يكون قد دخل منطقة الخطر.
لكن الذين ظنوا أن الشعب المصري قد غاب عن المشهد، أو أنه أصبح أسيرًا للدعاية والشعارات، لم يقرأوا تاريخ هذا الشعب جيدًا، فالمصريون قد يصبرون طويلًا، لكنهم لا يفرطون في دولتهم، وقد يمنحون الفرصة كاملة، لكنهم لا يمنحون أحدًا صكًا دائمًا لحكم البلاد، وحين أدركوا أن السفينة تتجه نحو شاطئ مجهول، خرجوا بالملايين في موعد عرفه الجميع، وحددوه بإرادتهم الحرة، ليقولوا كلمتهم الواضحة… مصر أكبر من أي جماعة، وأبقى من أي تنظيم، وأقدس من أي مشروع يسعى إلى احتكارها.
في الثلاثين من يونيو لم يكن المشهد مجرد حشود تملأ الميادين، بل كان إعلانًا صريحًا بأن الشرعية الحقيقية تنبع من الشعب، وأن إرادة الملايين لا يمكن تجاهلها أو الالتفاف عليها، كان المصريون يستعيدون وطنهم، ويعيدون رسم حدوده الوطنية بعيدًا عن كل محاولات التوظيف السياسي للدين.
لقد دفعت مصر بعد ذلك أثمانًا باهظة في مواجهة الإرهاب، لأن الجماعات التي تربت في حضن الفكر الإقصائي لم تستطع أن تتقبل خسارة مشروعها، فلجأت إلى العنف والدم، محاولة الانتقام من شعب اختار دولته على حساب التنظيم، لكن مصر، بجيشها وشرطتها وشعبها، خاضت معركة طويلة، سقط فيها شهداء كتبوا بدمائهم أن حماية الدولة ليست شعارًا، وإنما مسؤولية لا تعرف المساومة.
واليوم، بعد سنوات من تلك اللحظة الفارقة، قد يختلف الناس في تقييم السياسات، وقد تتباين الآراء حول الملفات الاقتصادية أو الاجتماعية، فهذا حق طبيعي في أي مجتمع حي، لكن ما يبقى ثابتًا هو أن الثلاثين من يونيو مثلت نقطة فاصلة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، لأنها أوقفت مشروعًا كان يهدد طبيعة الوطن ذاته، وأعادت التأكيد على أن مصر كانت وستظل دولة لجميع أبنائها، لا مزرعة لجماعة، ولا غنيمة لتنظيم، ولا منصة للمتاجرة بالدين.
لقد عادت مصر مصرية كما كانت، وكما أرادها أبناؤها عبر التاريخ؛ وطنًا يتسع للجميع، تحكمه فكرة الدولة لا الجماعة، ويجمع أبناءه الانتماء إلى الأرض قبل أي انتماء آخر.
ولهذا، فإن الاحتفال بثورة الثلاثين من يونيو ليس احتفالًا بذكرى عابرة، بل احتفاء بلحظة استعاد فيها شعب كامل حقه في تقرير مصيره، وأثبت أن الأوطان قد تمرض، لكنها لا تموت ما دام فيها شعب يعرف متى يصبر... ومتى يثور.
أخبار متعلقة :