في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى ترسيخ الوعي الوطني وتعزيز القوة الناعمة، يواصل قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة تقديم نموذج متكامل يجمع بين الحفاظ على الذاكرة الوطنية ودعم الإبداع واكتشاف المواهب، وإتاحة الفن أمام مختلف فئات المجتمع.
فمن معارض تستحضر محطات التاريخ المصري، إلى ورش للأطفال والشباب، مرورًا بالاحتفاء بالمبدعين وتكريم رموز الفن، تشهد مواقع القطاع حراكًا ثقافيًا متواصلًا يؤكد أن الفن ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل أحد أهم أدوات بناء الوعي وصون الهوية المصرية.
وفي مقدمة هذه الفعاليات، تستعد د.جيهان زكي، وزيرة الثقافة، لافتتاح معرض "صورة مصر.. رحلة في ذاكرة الوطن" مساء الثلاثاء المقبل بقصر عائشة فهمي مجمع الفنون بالزمالك، بمشاركة أحد عشر متحفًا وموقعًا ثقافيًا تابعًا لقطاع الفنون التشكيلية، في واحدة من أكبر التظاهرات الفنية التي تستعرض تاريخ مصر الحديث عبر اللوحات والتماثيل والصور الفوتوغرافية والوثائق وصفحات الصحف التاريخية.
ويقدم المعرض رحلة بصرية تمتد من القرن الثالث عشر وحتى ثورة 30 يونيو، من خلال أعمال لفنانين كبار تركوا بصمتهم في تاريخ الفن المصري، من بينهم سيف وانلي، وعبد الهادي الجزار، وحامد ندا، وحامد عويس، وجاذبية سري، وزينب السجيني، وأحمد نوار، وغيرهم، مستندًا إلى مقتنيات متاحف عريقة مثل متحف الفن المصري الحديث، ومتحف الجزيرة، ومركز محمود سعيد، ومتحف محمد ناجي، ومتحف النصر ببورسعيد، ومتحف دنشواي، ومتحف المنصورة القومي.
وأكد الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية، أن المعرض يمثل ذاكرة بصرية للوطن، ويعكس إيمان الدولة بدور الفنون في حماية الهوية الوطنية، موضحًا أن الأعمال المشاركة لا تقتصر على كونها إبداعات تشكيلية، بل تقدم سردية متكاملة للأحداث التاريخية التي صنعت وجدان المصريين، منذ معركة المنصورة وفارسكور مرورًا بثورة 1919 وحتى الثورات المعاصرة.
من جانبه، أوضح الدكتور علي سعيد، القيم الفنية للمعرض أن "صورة مصر" لا يقدم تاريخًا جامدًا، وإنما يدعو الجمهور إلى التأمل في كيفية صناعة الذاكرة الوطنية، وكيف أسهمت الصورة والفن في تشكيل وعي المصريين عبر الأجيال.
وفي إطار الاهتمام بتنمية المواهب، أعلن مركز محمود سعيد للمتاحف والمعارض بالإسكندرية فتح باب المشاركة في ورشة "تعليم أسس فن التمثيل وفن الارتجال والإلقاء"، بإشراف المخرج المسرحي محمد عدلي يس، والمخصصة للشباب من عمر 15 عامًا فأكثر، وتأتي الورشة ضمن الأنشطة الثقافية الموازية التي ينظمها المركز، بما يعكس توجه قطاع الفنون التشكيلية نحو توسيع مجالات الإبداع وعدم الاقتصار على الفنون البصرية وحدها.
كما واصل القطاع اهتمامه بتنمية الحس الوطني لدى الأطفال، إذ نظم متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية ورشة فنية بعنوان "في حب مصر" احتفالًا بذكرى ثورة 30 يونيو، شارك فيها 39 طفلًا وطفلة، نجحوا في تصميم عشرة أعلام مصرية بأحجام وأشكال متنوعة باستخدام خامات بسيطة، في تجربة جمعت بين الإبداع الفني وترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة.
في سياق دعم الحركة التشكيلية المعاصرة، يستضيف مركز محمود مختار الثقافي مساء الأول من يوليو معرض "ركن هادئ" للنحات الدكتور ياسر بكار بقاعة إيزيس، ويستمر حتى 12 يوليو المقبل.
ويقدم المعرض تجربة نحتية تتناول رحلة الإنسان من صخب الحياة إلى السكينة الداخلية، عبر أعمال تجسد حالات شعورية عميقة، وتعكس خبرة الفنان الأكاديمية وقدرته على توظيف الكتلة والخامة لصناعة لغة بصرية تتجاوز الشكل إلى التأمل الفلسفي والوجداني.
تؤكد هذه الأنشطة المتنوعة أن قطاع الفنون التشكيلية يمضي بخطى ثابتة نحو تعزيز دوره بوصفه أحد أهم روافد القوة الناعمة المصرية، من خلال الجمع بين صون التراث، وتوثيق الذاكرة الوطنية، ورعاية الأجيال الجديدة، وفتح آفاق جديدة للإبداع، بما يجعل الفن حاضرًا في قلب المشهد الثقافي، وشريكًا أساسيًا في بناء الوعي وترسيخ الهوية الوطنية.
أخبار متعلقة :