فى ١٥ مايو من كل عام تحل ذكرى النكبة التى يظن البعض أنها نكبة فلسطين وحدها، لأن فلسطين هى التى تحمّلت القسم الأعظم من جرائم إقامة الكيان الذى أطلقوا عليه صفة دولة، وهو مجرد قاعدة عسكرية للاستعمار وعصا لإخضاع شعوب المنطقة. لكن تلك النكبة تخص فى واقع الأمر كل شعوب التحرر الوطنى، ولو أن الأمر كان «إقامة دولة فى فلسطين» فلماذا يوجه الكيان ضرباته إلى سوريا ولبنان، وأسهم فى تدمير العراق وتمزيق السودان والتحريض على بناء سد النهضة؟ ولماذا امتد أثره إلى المساهمة فى دعم جورجيا وأوكرانيا ضد روسيا؟
هذا الدور واسع النطاق يُظهر بوضوح أن المستهدف من إقامة الكيان كان أوسع وأشمل من احتلال فلسطين، وأن فلسطين كانت قاعدة ينطلق منها الكيان بصفته قاعدة عسكرية إلى ضرب حركات التحرر الوطنى أينما ظهرت، وتعارضت مواقفها مع مصالح الاستعمار. أما الادعاء بأن الكيان دولة يهودية فهو مجرد غطاء فكرى مهلهل لدور إسرائيل الحقيقى.
ويجدر بنا فى هذا الصدد أن ننتبه إلى أن إقامة الكيان ترافقت مع تراجع نفوذ الاستعمار البريطانى فى المنطقة، وحاجته إلى قاعدة عسكرية تتولى نيابة عنه إخضاع شعوب المنطقة العربية اقتصاديًا وعسكريًا، ولهذا السبب تحديدًا ظهر وعد بلفور وبدأت بعده هجرات المرتزقة إلى فلسطين.
الأكثر دلالة على أن الكيان قاعدة لا تستهدف فلسطين فقط، بل ولم تكن تقصدها، أنه فى عام ١٩٠٣ فى مؤتمر صهيونى دعا «هرتزل» إلى البحث عن وطن لليهود فى أى مكان وليس فى فلسطين، وهنا اقترح البعض أن يكون ذلك الوطن فى أوغندا، وبالفعل سافر وفد صهيونى إلى أوغندا ليعاين البلد على الطبيعة، ثم عاد الوفد من هناك بتقرير أفاد بأن أوغندا لا تصلح لأن المناخ فيها حار للغاية، كما أنها مليئة بالأمراض المنتشرة وأراضيها غير ممهدة. وعرف ذلك المشروع بمشروع أوغندا، وتم رفض «مشروع أوغندا» فى مؤتمر عام ١٩٠٥ حتى صدر وعد بلفور فى ١٩١٧ ومثّل حلًا نموذجيًا للاستعمار لإقامة قاعدة عسكرية تُخضع ما حولها، وبدأت هجرة المرتزقة إلى فلسطين، لتصبح فلسطين رأس الرمح بدمائها وأرواح أبطالها وبسالة أبنائها فى مواجهة القاعدة العسكرية الصهيونية.
الأمر إذن لا يتعلق بدولة دينية، وقد سبق أن منح الاتحاد السوفيتى اليهود جمهورية مقاطعة حكم ذاتى عام ١٩٣٤ باسم «بيروبيجان». لكنهم لم يهاجروا إليها. إذن لم يكن احتلال فلسطين بهدف العثور على وطن، بل لأسباب أخرى. القصة لم تكن وطنًا، ولم تكن الدين، ولا حتى ما يتصوره البعض من وجود شعب يهودى، لأن اليهود فى فلسطين أفراد من شتى بقاع الأرض، لا تجمعهم لغة، ولا تاريخ ولا ثقافة، ومن ثم يستحيل الحديث عن شعب، ومن باب أولى الحديث عن «ثقافة شعب».
وفى ١٥ مايو الجارى مع حلول الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة يظل الشعب الفلسطينى البطل راسخًا فى أرضه، ترفرف أعلامه وأحلامه وبطولاته وقصائده حتى بعد حرب عامين من الإبادة، ومع بسالة الشعب الذى قال عنه عرفات «شعب الجبابرة» فإننا نثق تمامًا أننا سنشهد يومًا قريبًا تنكسر فيه القاعدة العسكرية وتصدح فيه كل الأغانى والأمانى.
أخبار متعلقة :