تجلس فى القاعة، ترقب وتنتظر بدء احتفالية شركة السياحة بموسم الحج، وشرح برنامج الرحلة والإجراءات التى تُتّبع منذ السفر من مطار القاهرة حتى الرجوع، بعد أداء المناسك... يتسرب الملل إلى نفسك من طول الانتظار.. أخيرًا يتكلم المشرف على البرنامج الدينى فى الشركة.. ثم رئيس الشركة، وشرح تفصيلى لمناسك الحج.. من بدء لبس رداء الإحرام، وأنواع الحج وشرائطه حتى الانتهاء من طواف الإفاضة والسعى وطواف الوداع.. تتابع بتركيز شديد ما قاله الشيخ المرافق للرحلة، لم تشعر بالوقت.. مرت ساعتان، وأنت تصغى إلى كل كلمة وحرف بكل خلجاتك، فالحج هو حلمك المبتغى.. أنت فى حاجة ماسة إلى هذه الرحلة الإيمانية، تغسل روحك بضياء الكعبة والوقوف بعرفة، وشرب ماء زمزم.. تأمل أن ييسر لك الصلاة فى الروضة الشريفة بمسجد الرسول الكريم محمد، صلى الله عليه وسلم.
فى طريق العودة إلى بيتك تمر على مقر شركة السياحة، تأخذ جواز السفر وبه تأشيرة الحج، برنامج الرحلة المطبوع، هدايا الشركة لكل حاج من حقائب ومظلة وكتيب لشرح المناسك.. تبحث عن تذكرة الطائرة وسط الأوراق، لا تجدها، تعود إلى الشركة السياحية، يقول لك موظف الاستقبال: إن تذاكر الطائرة لم يتم استخراجها لكل الحجاج، وباقى التذاكر ستسلم بعد يومين.. تظل فى حالة من القلق إلى أن تستلم تذكرة الطائرة.. السفر على خطوط مصر للطيران يوم الخميس الساعة الثالثة صباحًا.. قبل سفرك تسربلك السكينة والرضا، تتهيأ لرحلة العمر، تسلم على أقاربك، تسألهم الدعاء، يوصوك بالدعاء أمام الكعبة المشرفة، تعدهم بأنك لن تنسى.. تذهب إلى المطار يوم الأربعاء الساعة الحادية عشرة مساء، قبل السفر بخمس ساعات، تنتظر فى صالة السفر الموسمية بمطار القاهرة الدولى.. بعد أن تدخل، تقف فى طابور الوزن، لم تمكث كثيرًا، تنتهى من باقى الإجراءات.. تختم جواز السفر.. تحدد الكرسى الذى ستجلس عليه بالطائرة.. يُعرض فيلم تسجيلى لمناسك الحج، وتكبيرات الإحرام: «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».
تقترب الحافلة من مجموعة فنادق.. تسير ببطء شديد.. تلحظ كثرة الحافلات التى تقل الحجيج.. يسمح لها فقط بنزول الحجيج، ثم تعاود المسير.. إذا لم يتم الالتزام بهذه القواعد تسحب الرخص من السائق، ويسدد غرامة فورية.. تتوقف الحافلة، يطلب مشرف مجموعتك النزول والانتظار بجوار الحافلة حتى يكتمل عدد أفراد المجموعة.. المشرف فى المقدمة وتتبعه مجموعتك.. تحمل حقائبك من مستودع الحقائب بالحافلة.. تمشى وسط السيارات والحافلات العامر بها الشارع المتاخم لمجموعة فنادق الصفوة بمكة المكرمة.. الزحمة شديدة ولكنها منظمة.. الطقس مائل للحرارة ورطوبة مرتفعة..
تدلف إلى حجرتك، يشاركك فيها ثلاثة من الحجيج.. تضع حقائبك بجوار سريرك.. تتوضأ.. تصعد للصلاة فى مسجد الفندق المتسع الأرجاء، يطل على باب الملك عبدالعزيز.. يطلب مشرف مجموعتك التجمع فى بهو الفندق بعد الانتهاء من الطعام، ومن يريد أن يعيد الوضوء فلا يتأخر..
منذ إحرامك من القاهرة ملتزم برداء الإحرام حتى تتم عمرتك، ثم تحلل منها- لنيتك أن تحج متمتعًا- تصعد أنت وزميلك فى الحجرة «نبيل» كى تعيدان الوضوء.. تصلى ركعتين بجوار بهو الفندق.. يلتقى أفراد المجموعة فى نفس المكان.. يبدأ المسير إلى حرم الكعبة المشرفة.. يتقدمكم مشرف المجموعة.. رعشة تنساب إلى جسدك كله.. تشعر أن ضياء يحوطكم من كل جانب.. يصادفك على الحائط وأنت فى طريقك إلى الحرم «إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا».
شعور لا تصفه الكلمات.. حالة من الارتقاء الروحى والنفسى.. تترقب التملى من الكعبة المشرفة، ونورها الساطع الذى يأخذ الألباب.. كلما تقترب منها يزداد عدد الطائفين.. تقترب من الحجر الأسعد، لا تستطيع الدنو منه، فالزحام جد شديد.. ترفع يدك، تشير إليه: بسم الله والله أكبر.. تبدأ الشوط الأول، تبرز كتفك اليمنى من تحت رداء الإحرام.. تدعو ما يجىء على خاطرك بكل خلجاتك.. بعد الشوط الأول لم تعد ترى مشرف المجموعة.. يختفى وسط الجموع الغفيرة.. زميلك «نبيل» يطوف أمامك.. تستند على كتفه من كثرة الطائفين.. تلمح أحد زملاء المجموعة يسير بجوارك، ويسألك عن عدد الأشواط.. فتتأكد من نبيل، ثم تخبره.. تستغرق- تمامًا- فى الدعاء بكل خلجة من خلجات نفسك وروحك، والتملى من الكعبة المشرفة.. تطوف وتطوف إلى أن تكمل السبعة أشواط.. تحمد الله على نعمه وآلائه الكثيرة التى لا تحصى.. مشاعر مختلفة تمور بنفسك- فرحة، رضا، حمد، خوف- نور الكعبة يغطى على كل الموجودات حولك.
العرق الغزير ينبجس منك.. هل من المجهود أم من رهبة الموقف أم من الزحام الشديد.. لا تعلم بالضبط.
تشعر بالظمأ.. تشرب من ماء زمزم، أكواب لا تعرف عددها، حتى تروى عروقك، تدعو بكل خلجاتك... تصلى ركعتين بصحن الكعبة المشرفة.
تتجه أنت وزملاؤك إلى الصفا والمروة لتكمل مناسك العمرة.. تتذكر ما حاق بالسيدة هاجر، عندما عطش وليدها إسماعيل، ومكثت حائرة بين الصفا والمروة حتى أذن المولى، سبحانه وتعالى، بتفجّر بئر زمزم... تسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط؛ تدعو ما يسر لك من دعاء.. تشعر بالتعب، ولكن لا تفتر عزيمتك حتى تنتهى من الشوط الأخير.
تخرج من الفندق، تحمل بيدك حقيبة بها ما يلزمك فى أثناء أداء مناسك الحج.. تتبع مشرف الفوج حتى تصل إلى الحافلة التى تقلكم إلى عرفات.. بالرغم أن حقيبتك ليس بها سوى ملابسك التى سترتديها بعد الانتهاء من إحرامك إلا أنك تشعر بثقلها كأنك تضع كمية من الحجارة ثقيلة الوزن.. المكان الذى تقف به الحافلة ينأى بعيدًا عن الفندق.. تتعب من طول المسافة والطقس الحار المتعاظم الرطوبة.. إلا أنك تتسربل بالسكينة والرضا.
طوال الطريق إلى عرفات تردد وراء مشرف الرحلة الأدعية والابتهالات بكل خلاياك: «لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك..».
أول ما تطأ قدمك المكان تسرى فى أوصالك رعشة خفيفة لا تعرف مصدرها.. ليس رهبة أو خوفًا وإنما يحدوك عدم تصديق أنك دخلت إلى الركن الأساسى بالحج والمبيت بعرفة.. ما يشغلك فى اللحظات القادمة استثمار الوقت فى الابتهال والدعاء لله سبحانه.. تحلّق بفضاء الأبقى والأبدى.. حالة من الوجد، تذوب فى حناياها... بعد صلاة العشاء يجتمع بفوج الحجيج شيخ مسئول عن إجابة التساؤلات التى تعنّ لأحد الحجاج، ويبصره بصحيح الحكم الشرعى.. أوصى بالاهتمام بالدعاء والاستغفار والتوبة، الابتعاد عن المشاحنات والتزاحم لصعود جبل النور بعرفات، وهو ليس من أركان الحج، الأولى بالاهتمام التواجد بصعيد عرفات حتى غروب شمس التاسع من ذى الحجة.
تحين صلاة الفجر، يؤذن لقيامها.. تخصص ساحة متسعة الأرجاء للصلاة، لكنها تضيق من تعاظم عدد الحجيج.. الكل يقف فى خشوع؛ تتسربل بالسكينة والرضا.. تصيخ مسامعك وجوانحك إلى ما يُتلى من آيات القرآن الكريم، وتحلّق بملكوت الصلاة.. بعد الصلاة، تلوذ بنفسك، تبتهل إلى الله سبحانه بالذكر والدعاء المنساب من حبة قلبك.
بعد الغروب، والوقوف بصعيد عرفات.. يطلب المشرف صعود الفوج إلى الحافلات المخصصة للشركة.. مع التنبيه- أيضًا- بعدم النزول من الحافلة منفردين، لتشابه الحافلات، ومن الممكن أن يتوه المرء وسط زحام الحافلات المتكدسة فى الطريق إلى المزدلفة.. تحمل حقيبة ملابسك، وتضعها فى المكان المخصص بالحافلة.. تختار الكرسى الأخير للقعود عليه.. المدهش أن حركة الحافلة البطيئة تجعلك لا تشعر بسيرها.. زخم من الحافلات تتجه فى لحظة واحدة إلى مكان بعينه، وبنفس الطريق.. يمر الوقت ببطء شديد، تشعر بالتعب والإرهاق، تأمل أن يغفل لك جفن ولو لدقائق معدودة.
فى الطريق للمزدلفة تتذكر ما جاء فى اللقاء التثقيفى، قبل السفر.. أن مشقة الحج تبدأ من الوقوف بعرفات، والمرور بالمزدلفة كى تجمع الجمرات، ثم الذهاب إلى منى ورمى الجمرات هناك.. صحيح أنك قرأت كتيبات متعددة تشرح وتبسّط مناسك الحج، لكن التجربة والدخول فى غمارها أمر مختلف.. تكتنفك حالة من الصمت والتأمل والقلق فى آن.. تخرج مسبحتك من حقيبتك الصغيرة التى تعلقها على كتفك.. تبتهل إلى الله سبحانه بالذكر والدعاء.. تنتبه من حالة الوجد التى تستغرقك تمامًا بصوت المشرف، الحازم، بالوصول للمزدلفة والاستعداد لجمع الجمرات، ثم صلاة المغرب والعشاء جمع تأخير.
تقف الحافلة على يمين الطريق.. يخرج كل حاج الكيس المخصص لوضع الجمرات به.. عليك أن تختار الجمرات لا يزيد حجمها عن عقلة الأصبع.. لم يكن جمع الجمرات من السهولة بمكان.. تأخذ بعضًا من الوقت.. بعد انتهاء جميع حجاج الفوج- الذين تسافر معهم- من الحصول على الجمرات المناسبة بالحجم المحدد.. أذن المشرف لصلاة المغرب، وقام بإمامة صلاة المغرب والعشاء.
بعد الانتهاء من صلاتى المغرب والعشاء جماعة جمع تأخير، يصدر المشرف تعليماته بصعود الحافلات للذهاب إلى منى.
تجرى ناحية الحافلة بدون التأكد من المكان الذى تقف فيه.. يصرخ المشرف: خذ بالك من الحفرة.. تتخشب بمكانك؛ تكتشف أنك أمام حفرة بالغة العمق، تلهث من المفاجئة المباغتة..تحرك ساقك ببطء شديد... تصعد الحافلة، ولسان حالك، يتمتم: «الحمد لله.. الحمد لله...».
أخبار متعلقة :