لم يحب النبى أحدًا من أقاربه كما أحب أولاد عمه أبى طالب، فقد زوّج ريحانته وابنته الأثيرة السيدة فاطمة الزهراء من «على» أصغر أبناء عمه «أبى طالب»، وكان يقول لعلى: «أنت منى بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى»، وقال عنه يوم خيبر: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله»، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لعقيل بن أبى طالب: «يا أبا يزيد إنى أحبك حبين حبًا لقرابتك وحبًا لما كنت أعلم من حب عمى إياك»، أما جعفر بن أبى طالب فقد شرفه النبى بالقول: «أشبهت خلقى وخلقى فأنت منى ومن شجرتى».
انضم «جعفر» إلى صفوف المقاتلين فى سبيل الله بمجرد انضمامه إلى المسلمين فى المدينة، وفى سنة ٨ هجرية- أى بعد سنة واحدة من عودته من الحبشة- كان يتقدم الصفوف فى غزوة مؤتة.
يقول ابن سعد فى طبقاته: «بعث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جيشًا واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن قُتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر بن أبى طالب، فإن قُتل جعفر أو استشهد فأميركم عبدالله بن رواحة، فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قُتل، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قُتل، ثم أخذ الراية عبدالله بن رواحة فقاتل حتى قُتل، ثم أخذ الراية بعدهم خالد بن الوليد ففتح الله عليه، فأتى خبرهم النبى- صلى الله عليه وسلم- فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن إخوانكم لقوا العدو فأخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل حتى قُتل أو استشهد، ثم أخذ الراية جعفر بن أبى طالب فقاتل حتى قُتل أو استشهد، ثم أخذها عبدالله بن رواحة وقاتل حتى قُتل أو استشهد، ثم أخذها سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه».
حزن النبى على «جعفر» حزنًا كبيرًا، ومكث ثلاثة أيام، ثم ذهب إلى أسرة ابن عمه يواسيهم، فوجد زوجته «أسماء» وأولاده محمد وعون وعبدالله يبكون، فقال لهم: لا تبكوا على أخى بعد اليوم، نظر إلى ولده محمد وقال: أما محمد فشبيه عمنا أبى طالب، وأما عون الله «عون» فشبيه خلقى وخلقى، ثم أخذ بيد عبدالله ورفعها وقال: اللهم اخلف جعفرًا فى أهله، وبارك لعبدالله فى صفقة يمينه ثلاث مرات.
وقعت أحداث غزوة مؤتة فى جمادى الأولى من سنة ٨ هجرية، أى قبل ٣ أشهر من الحدث الكبير فى تاريخ المسلمين والمتمثل فى فتح مكة «رمضان ٨ هجرية»، لم يتحرك أولاد أبى طالب بن عبدالمطلب كما تعودوا أن يتحركوا معًا «على وجعفر وعقيل» كان ينقصهم «جعفر» الذى استشهد فى «مؤتة»، تحرك الأخوان فى جيش الرسول الذى زحف نحو مكة المكرمة، وهناك كان شقيقهما الأكبر طالب بن عبدالمطلب، ذلك الاسم الذى لا يظهر فى العديد من المشاهد التى برز فيها أبناء أبى طالب الآخرون.
فالأرجح أنه لم يكن ممن أُكرهوا على الخروج مع المشركين فى بدر، مثلما حدث مع شقيقه «عقيل بن أبى طالب»، ولا توجد أى إشارة لإسلامه قبل فتح مكة، أو هجرته للنبى فى المدينة، كما فعل «عقيل»، أو كما تشير بعض الروايات إلى أن العباس ونوفل بن الحارث بن عبدالمطلب فعلاها أيضًا فهاجرا إلى النبى قبل أشهر قليلة من فتح مكة.
من الثابت أن طالب بن أبى طالب لم يسلم قبل فتح مكة، وتشير بعض الكتابات إلى أنه كان مؤمنًا يكتم إيمانه حتى جاء نصر الله والفتح للرسول الكريم، أيًا ما كان الأمر، فقد كان «طالب» شيخًا طاعنًا فى العمر، وكان التالى فى الوفاة بعد استشهاد شقيقه «جعفر»، وليبقى الشقيقان «على وعقيل»، ولا أجدنى بحاجة إلى تذكيرك بأن عليًا- رضى الله عنه- قد استشهد هو الآخر فى حادثة اغتيال سياسى شهيرة، طعنه فيها عبدالرحمن بن ملجم، بعد صراعات عنيفة خاضها- عقب بيعته كخليفة للمسلمين- ضد «أصحاب الجمل»، «السيدة عائشة والصحابيان طلحة والزبير»، وضد معاوية بن أبى سفيان فى الشام، وكانت وفاة على بن أبى طالب سنة ٤٠ هجرية، أى بعد ٣٢ سنة من وفاة شقيقه جعفر.
لم يبق من أبناء أبى طالب سوى «عقيل»، وكان أكبر من جعفر بـ١٠ سنين وأكبر من على بـ٢٠ سنة، وقد أسلم وهاجر إلى النبى سنة ٨ هجرية، كما حكيت لك، وشارك فى غزوة مؤتة، وقد أصيب عقب عودته من الغزوة بمرض، فلم يسمع له بذكر فى فتح مكة ولا الطائف ولا خيبر ولا فى حُنين، كما يحكى «ابن سعد فى «طبقاته».
ويضيف: ومات عقيل بن أبى طالب بعدما عمى فى خلافة معاوية بن أبى سفيان، وكان ذلك على وجه التحديد سنة ٥٢ هجرية، وعلى مدار ما يزيد على ٤٠ سنة اختفى ذكر «عقيل بن أبى طالب» ولم يظهر إلا فى مشاهد محدودة للغاية داخل كتب التراث، والسر فى ذلك الأمراض العديدة التى أصابته، وكان آخرها فقد البصر، ما أقعده عن الخروج، وجعله يتوارى إلى الظل، حتى قابل وجه ربه.
رضى الله تعالى عن أولاد أبى طالب بن عبدالمطلب: «على وجعفر وعقيل وطالب» وأولادهم الذين بذلوا تضحيات كبرى فى سبيل الرسالة.
أخبار متعلقة :