في زمن تتسارع فيه أحداث حياتنا اليومية، وتتزاحم فيه التفاصيل لتسيطر على وجودنا، أصبح الغياب حالة شعورية ممتدة، قد تحدث رغم الحضور الجسدي الكامل، ومن هذا المنطلق يقدم الفنان التشكيلي ممدوح القصيفي، معرضه الحالي "دفاتر الغياب"، ليقدم تجربة بصرية وإنسانية ترصد صراعات النفس مع الحياة وما تفرضه من عزلة ووحدة وأسئلة لا تنتهي.
وباستخدام تقنيات فنية حديثة وألوان بسيطة لكنها شديدة التعبير، يكشف القصيفي عن دفاتر خاصة بالمشاعر الإنسانية، وأبعادها العميقة حول فكرة "الغياب" بأشكاله المختلفة.
ويستمر معرض "دفاتر الغياب" قاعة نهضة مصر بـ متحف محمود مختار، حتى يوم 24 مايو الجارى، وبهذه المناسبة التقت "الدستور" بالفنان ممدوح القصيفي، للحديث عن معرضه والمحرك الأساسي لأعماله.
لماذا اخترت عنوان "دفاتر الغياب" للمعرض؟ وما الفكرة الأساسية التي يدور حولها؟
فكرة المعرض تتعلق بغياب الشخصية نفسها، وأنا هنا أتحدث عن نفسي، وعن غياب المشاعر الإنسانية في حياتنا، وعادة يكون هناك "دفتر حضور"، لكنني أردت أن أعكس الفكرة، لأن الحضور نفسه لم يعد موجودًا، وأصبح الغياب هو الحالة المستمرة، فأصبحنا موجودون جسديًا لكن في حقيقة الأمر في حالة غياب.
وكيف انعكست فكرة "الغياب" داخل أعمالك الفنية؟
رسمت عمل فني يظهر شخصين يلتقطان صورة "سيلفي"، هما موجودان داخل الصورة لكنهما غير موجودين في الواقع الحقيقي، وهناك أعمال أخرى تُظهر أشخاصًا داخل أشياء أكبر منهم مثل طبق كبير، أو زجاجة مقفلة، أو مختبئين داخل علبة كبريت، وكأنهم في حالة صراع دائم مع الأشياء المحيطة التي أصبحت أكبر منهم وتسيطر عليهم في بعض الأحيان، هي مفارقات تعكس واقعًا نعيشه بالفعل.
كم استغرق تحضير المعرض؟
هناك بعض الأعمال كنت قد أنجزتها بالفعل منذ فترة، وهناك أعمال أخرى بدأت العمل عليها حديثًا، وبشكل عام، استغرق العمل على المعرض قرابة عام، لكن ليس بشكل متواصل، لذلك كنت أعمل على فكرة ثم أعود إليها مرة أخرى.
ما التقنية المستخدمة في أعمال المعرض؟
استخدمت اثنين من التقنيات الفنية، فهناك لوحات فنية قمت برسمها، وهناك أعمال أخرى استخدمت فيها أيضًا تقنية "السلك سكرين"، وهي نوع من الطباعة بالشاشة الحرارية، وهي تُستخدم عادة في الطباعة التجارية، لكنني استخدمتها بشكل فني. وتعلمت هذه التقنية خلال ورشة عمل في الصين، ثلاث مرات، فلم أتعلمها أثناء الدراسة في كلية الفنون، ولكن في الصين عرفت تفاصيلها بدقة، وأهم ما يميزها أنها تمنح العمل إحساسًا طازجًا ومباشرًا جدًا.
حدثنا عن أبرز أعمال المعرض؟
قدمت لوحات فنية تُعبر عن فكرة أننا أصبحنا مستهلكين، وكأن بداخلنا عدادات استهلاك أو سرعة، وهناك أعمال تتحدث عن فكرة مشاعرنا الحبيسة داخل أشياء أو ظروف أكبر منا، والأغرب في لوحاتي أنني عبرت كيف أن هذه الشخصيات أحيانًا تتأقلم وتستكين مع وجودها داخل هذا الحبس، كما أوضحت في بعض الأعمال أن هناك كلامًا مكررًا أصبحنا نعتاده وكأننا نستمع إلى شريط يُعاد باستمرار.
بعد إنجاز وعرض أعمالك بقاعة نهضة مصر بمتحف محمود مختار.. صف لنا شعورك الآن؟
سعيد بالطبع، المكان بالفعل جميل جدًا، والقائمين على المتحف قدموا لي دعمًا كبيرًا في التنظيم، وقاعة نهضة مصر كانت بمثابة تحدى بالنسبة لي كفنان، لأنها كبيرة جدًا تحتاج إلى عدد هائل من الأعمال الفنية، فتطلب مني الأمر الكثير من العمل.
وفي البداية حينما رأيت هذه المساحة "اتخضيت" وسألت نفسي: كيف أستطيع إنجاز هذا العدد من الأعمال الفنية التي تتطلبها القاعة؟ لكن الحمدلله خرج المعرض في صورة جيدة كما كنت أتمناه.
لماذا تعتمد بشكل كبير على الأبيض والأسود والرصاص
هذه الأدوات تبدو بسيطة جدًا، لكنها في الحقيقة تمثل تحديًا كبيرًا، والسؤال هنا: هل أستطيع باستخدام أبسط الخامات وأقل الإمكانيات أن أعبر عن الفكرة التي أريدها أم لا؟ فكلما استخدم الفنان أدوات أكثر قد يصبح من السهل أن يلفت انتباه المشاهد، لكن العمل بالأبيض والأسود والرصاص أصعب لأنه يعتمد على البساطة الشديدة، وفي الوقت نفسه يمنحني حرية العمل في أي وقت وأي مكان.
ما المحرك الأساسي لأعمالك؟ وما أسلوبك الفني الذي تحرص عليه؟
بالنسبة لي، الأساس دائمًا هو الفكرة، فحينما أريد قول فكرة معينة أو شعور داخلي أريد التعبير عنه وإيصاله للجمهور. هناك فنانون يهتمون أكثر بالتأثير اللوني أو الجماليات البصرية، لكن بالنسبة لي المحرك الأساسي هو الفكرة ذاتها، ولكن المحرك لدي أن هناك "فكرة ملحة" أريد تقديمها.
والبعض يقول إن أعمالي أقرب إلى الرسم التوضيحي أو الرسم الصحفي. وهذا لا مشكلة فيه، بل أنه يسعدني، أن يكون لدي "جملة" أريد قولها من خلال الرسم الفني، وليس بالضرورة أن يكون ما أريد قوله شيئًا كبيرًا، فيمكن أن تكون جملة قصيرة، مثل رباعيات صلاح جاهين، فهي كلمات قليلة لكنها تحمل معنى عميقًا.
اقرأ أيضًا:
أخبار متعلقة :