في شهادة تاريخية مفعمة بالروحانيات والعمق الوطني، كشف نيافة الأنبا بولا، مطران طنطا وتوابعها، عن ملامح وتفاصيل غير مسبوقة حول مسيرته الروحية والعملية الممتدة عبر 62 عامًا من العطاء والخدمة، مؤكدًا أن يد التدبير الإلهي كانت حاضرة وبدقة في كل محطة من محطات حياته، منذ صباه الباكر وحتى صياغة القوانين والدستور المصري.
جاء ذلك فى الحفل الكبير الذي أقامتة الكنيسة للاحتفال بمرور 50 عامًا على اليوبيل الذهبى لرهبة وكهنوت الأنبا بولا مطران طنطا.
صحح نيافته مفهومًا شائعًا حول مدة خدمته، مؤكدًا: "أنا أعمل منذ 62 عامًا وليس 50 عامًا فقط؛ لأن حسابات الخدمة والنداء الإلهي بدأت منذ أن كنت طفلًا أتحرق شوقًا للحياة الرهبانية"، مشيرًا إلى أن الرغبة في الترهبن ولدت لديه وهو في سن الحادية عشرة والنصف من عمره.
هندسة الجغرافيا والتدبير الإلهي في التجنيد
وروى المطران كيف قاده التوجيه الالهي لاختيار مساره الأكاديمي، حيث اختار جامعة طنطا لقربها من مدينة كفر الشيخ، ثم تعمد الالتحاق بقسم "الجيولوجيا" تحديدًا، لكون طبيعة عمله تنحصر في الصحراء والمناطق النائية، مما يمهد له الطريق عمليًا ونفسيًا لحياة البرية والنسك.
وعن مرحلة التجنيد، وصفها الأنبا بولا بأنها كانت "البداية الحقيقية للرهبنة بأمر رباني"، حيث تم توزيعه كمجند في سلاح الدفاع الجوي بأقصى بقاع مصر، في وقت سُجلت فيه دفعته بالكامل كضباط احتياط، وتحولت الخدمة العسكرية في تلك المنطقة النائية إلى صومعة مؤقتة صقلت روحه، حيث كان يقضي كل أوقات فراغه في الصلاة المستمرة والقراءة التعبدية.
لقاء البابا شنودة وبشرى الطيور البيضاء
وعقب انتهاء فترة التجنيد مباشرة، بدأت الخطوات الرسمية للرهبنة؛ حيث التقى بالمتنيح البابا شنودة الثالث، وفي موقف يعكس أعلى درجات تسليم المشيئة، رفض الأنبا بولا اختيار قطاع الخدمة بنفسه عندما سأله البابا، مصرًا على أن يكون قرار البابا هو انعكاس للاختيار الإلهي.
وتذكر نيافته اللحظات الأولى لانطلاقه نحو الدير بصحبة البابا شنودة في سيارته الخاصة، مؤكدًا ظهور "علامة سمائية" تمثلت في أسراب من الطيور البيضاء التي حفت السيارة طوال الطريق، كبشرى إلهية لمباركة هذه الرحلة الروحية.
من مغارة الجبل إلى القيادة العالمية
وفي الدير، انطلق نيافته نحو حياة الوحدة الكاملة، حيث أسس مغارة في الجبل واعتكف بها لمدة 40 يومًا انقطع فيها عن مخاطبة البشر تمامًا، ليخرج منها براحة داخلية فائقة أهلته – وهو شاب لم يتجاوز الـ25 من عمره – للتحول مباشرة إلى العمل القيادي والإداري في الكنيسة.
نجح الأنبا بولا في صياغة وتأسيس مناهج تعليمية وتدريبية مبتكرة تُطبق لأول مرة في تاريخ الكنيسة، قادته للطواف حول بلدان العالم وزيارة المدارس والمؤسسات التعليمية عبر القارات، في رحلات مكوكية سنوية شملت أرجاء الكرة الأرضية لنشر الرعاية والتعليم والمأسسة.
حكمة وطنية في صياغة الدستور وقانون الكنائس
وعلى الصعيد الوطني، استعرض نيافة الأنبا بولا الدور المحوري الذي لعبه خلال مرحلة صياغة وتعديل الدستور المصري، مشيرًا إلى قدرته العالية – المدعومة بالنعمة الإلهية – في التعامل والحوار المرن والحكيم مع مختلف التيارات الفكرية والسياسية، بما في ذلك ممثلي الإخوان والسلفيين، لإعلاء المصلحة العليا للوطن.
واختتم المطران شهادته بالإشارة إلى الجهد العلمي والقانوني الضخم الذي بذله لتأسيس "قانون بناء الكنائس"، حيث قام بدراسة ومقارنة 28 دستورًا من دساتير دول العالم، للخروج بصيغة قانونية وتاريخية متوازنة، واصفًا هذا الإنجاز بأنه "فيض من النعمة والاستنارة الإلهية" التي منحت الكنيسة والوطن استقرارًا دائمًا يرسم ملامح التعايش السلمي للأجيال القادمة.
أخبار متعلقة :