في مدينة أوبرندورف جنوب ألمانيا، لم تعد أصوات الآلات داخل منشآت السلاح مجرد ضجيج صناعي عابر، بل باتت تعكس تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا تعيشه البلاد.
داخل مصانع شركة هيكلر آند كوخ، تتحرك الأذرع الآلية بوتيرة متسارعة لتشكيل سبطانات البنادق، فيما تخضع الأسلحة لاختبارات دقيقة داخل ميادين إطلاق تحت الأرض، في مشهد يختصر أكبر عملية إعادة تسليح تشهدها ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بحسب صحيفة "التليجراف".
الشركة، التي ارتبط اسمها عالميًا بالرشاش الشهير “إم بي 5” المستخدم لدى وحدات النخبة الأمنية والعسكرية، أصبحت اليوم في قلب المشروع الألماني لإعادة بناء الجيش، وسط تصاعد المخاوف الأوروبية من التهديدات الروسية وتغيّر طبيعة الحروب الحديثة.
أقوى جيش تقليدي في أوروبا
الحكومة الألمانية، بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، تسعى إلى إعادة تشكيل الجيش الألماني "البوندسفير" ضمن رؤية طموحة تهدف إلى إنشاء "أقوى جيش تقليدي في أوروبا".
وفي هذا السياق، أطلقت "هيكلر آند كوخ" خطة استثمارية تتجاوز 200 مليون يورو لتوسيع قدراتها الإنتاجية، تشمل إنشاء مصنع جديد وتوظيف مئات العمال، بالتزامن مع خطة حكومية تستهدف تجنيد 80 ألف جندي إضافي بحلول عام 2035.
كما تعمل الشركة على تطوير جيل جديد من الأسلحة المصممة لمواجهة تهديدات الحرب الحديثة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة، مستفيدة من الدروس المستخلصة من الحرب الروسية الأوكرانية.
راينميتال تقود طفرة الصناعات الثقيلة
ولا يقتصر التحول العسكري الألماني على الأسلحة الخفيفة فقط، إذ تقود شركة راينميتال توسعًا واسعًا في قطاع الصناعات الدفاعية الثقيلة.
فالشركة افتتحت أكبر مصنع ذخيرة في أوروبا باستثمارات بلغت نحو 500 مليون يورو، بالتوازي مع مضاعفة إنتاجها من الذخائر والمركبات المدرعة، في خطوة تعكس التحول الأوروبي نحو اقتصاد دفاعي أكثر جاهزية واستدامة.
كما حصلت "راينميتال" على عقود استراتيجية ضمن برنامج “جندي المشاة المستقبلي”، الذي يهدف إلى دمج الروبوتات التكتيكية والطائرات المسيّرة وأنظمة عرض بيانات المعركة داخل الوحدات القتالية الألمانية.
الذكاء الاصطناعي يدخل ساحات القتال
بالتوازي مع الصناعات التقليدية، تشهد ألمانيا صعود شركات دفاعية ناشئة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل هلسينغ وآركس روبوتيكس.
وتعمل هذه الشركات على تطوير أنظمة قادرة على تحويل المركبات العسكرية التقليدية إلى منصات ذكية يمكن تشغيلها عن بعد أو بشكل ذاتي، في محاولة لتحديث الجيش الألماني بأقل تكلفة ممكنة ودون الحاجة إلى استبدال شامل لمنظوماته الحالية.
ويرى خبراء الدفاع أن هذه التقنيات ستكون ركيزة أساسية في حروب المستقبل، التي باتت تعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي.
العدو الداخلي لإعادة التسلح
ورغم الطفرة الصناعية والاستثمارات الضخمة، تواجه ألمانيا تحديات معقدة تهدد بإبطاء مشروعها العسكري الجديد.
فالبيروقراطية الألمانية الثقيلة، التي لا تزال بعض مؤسساتها تعتمد وسائل تقليدية متقادمة مثل أجهزة الفاكس، تمثل عقبة رئيسية أمام تسريع التعاقدات وتنفيذ خطط التحديث العسكري.
وتؤكد مصادر من قطاع الدفاع أن بطء الإجراءات الحكومية والحذر السياسي المفرط قد يعرقلان وتيرة إعادة التسلح، في وقت تعتبر فيه برلين أن عامل الزمن أصبح حاسمًا في ظل التحولات الأمنية المتسارعة في أوروبا.
جدل حول أولويات الإنفاق العسكري
في المقابل، يوجّه منتقدون انتقادات للحكومة الألمانية بسبب استمرار تخصيص جزء كبير من الميزانيات الدفاعية لأنظمة تقليدية يعتبرون أنها لم تعد ملائمة لطبيعة الحروب الحديثة.
ويرى هؤلاء أن الأولوية يجب أن تُمنح بشكل أكبر للطائرات المسيّرة والأنظمة الذكية وتقنيات الحرب الإلكترونية، بعدما أثبتت فعاليتها في النزاعات المعاصرة.
من أزمة السيارات إلى اقتصاد الحرب
التحول العسكري الألماني يتقاطع أيضًا مع الأزمة التي تضرب قطاع السيارات، أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
فمع فقدان آلاف الوظائف داخل شركات السيارات، تأمل الحكومة في استيعاب جزء من هذه الكفاءات داخل قطاع الصناعات الدفاعية. لكن خبراء الصناعة يشككون في قدرة القطاع العسكري على تعويض كامل الخسائر التي يتكبدها الاقتصاد الصناعي التقليدي.
إرث الحرب العالمية يعود إلى الواجهة
ورغم الزخم الحالي، يبقى الإرث التاريخي الألماني حاضرًا بقوة في النقاش الداخلي.
فالصناعات العسكرية ظلت لعقود ملفًا حساسًا أخلاقيًا وسياسيًا بسبب ذاكرة الحرب العالمية الثانية، وهو ما جعل كثيرين ينظرون إليها باعتبارها "الوجه الخفي" للاقتصاد الألماني.
لكن التحولات الجيوسياسية الأخيرة، والحرب في أوكرانيا، دفعت قطاعات واسعة داخل ألمانيا إلى إعادة النظر في هذه القناعة، مع تصاعد الإيمان بأن امتلاك قوة ردع فعالة أصبح ضرورة لحماية الأمن الأوروبي.
استراتيجية ألمانية جديدة للحرب المقبلة
وفي إطار هذا التحول، كشف وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس عن استراتيجية دفاعية جديدة ترتكز على 3 مراحل رئيسية:
- تسريع التمويل والتدريب العسكري.
- رفع الجاهزية لدعم قوات حلف الناتو في شرق أوروبا.
الاستثمار المكثف في تقنيات الحرب المستقبلية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة.
وبين ضغوط التاريخ ومتطلبات الجغرافيا السياسية، تبدو ألمانيا اليوم وكأنها تعيد تعريف دورها العسكري من جديد، في مرحلة قد تغيّر شكل التوازنات الأمنية داخل أوروبا لعقود مقبلة.
أخبار متعلقة :