تتسارع التطورات الدبلوماسية في منطقة الشرق الأوسط حيث أعلنت إيران بشكل رسمي عن تقديم ردها النهائي على المقترح الأمريكي الجديد والموجه لإنهاء العمليات العسكرية المستمرة، وجاء هذا الإعلان المؤكد لاستمرار القنوات الدبلوماسية عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الذي أشار إلى استمرار التواصل مع الإدارة الأمريكية من خلال شريكهم الوسيط الباكستاني، وذلك بالرغم من وجود تقارير إعلامية محلية تصف المطالب والشروط الأمريكية الأخيرة بأنها مجحفة ومفرطة بشكل كبير.
حسب تقرير لوكالة رويترز العالمية للأنباء فإن مصدراً باكستانياً مسؤولاً أكد إطلاع الولايات المتحدة الأمريكية على مقترح إيراني منقح ومعدل يهدف أساساً لإنهاء النزاع المتصاعد في الشرق الأوسط، ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي في وقت تبدو فيه محادثات السلام المباشرة وغير المباشرة متوقفة تماماً بين الأطراف المعنية، حيث أشار المصدر ذاته بوضوح إلى ضيق الوقت المتاح أمام القوى الدولية لسد الفجوات العميقة التي تفصل بين مواقف البلدين المتباعدة.
وقد شهدت العاصمة طهران تحركات مكثفة حيث أجرى وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي محادثات رسمية رفيعة المستوى مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وتبعتها لقاءات مع رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف لبحث صياغة الحلول الممكنة، وتأتي هذه اللقاءات المتسارعة في ظل وضع سياسي معقد يوازن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بين خيارات الاستمرار في الضغوط الدبلوماسية الصارمة وبين تفعيل الخيارات العسكرية المحتملة ضد المنطقة.
كواليس المفاوضات والملف النووي المعقد
كشف مصدر إيراني رفيع المستوى عن وجود بعض المرونة من الجانب الأمريكي تجاه السماح لطهران بمواجهة ومواصلة الأنشطة النووية السلمية المحدودة للغاية، شريطة أن تكون تلك الأنشطة الحساسة تحت الإشراف الكامل والمباشر من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان سلميتها، إلا أن الخلاف الجوهري الحاد لا يزال قائماً ومستمراً بشأن حجم الأصول والملفات المالية الإيرانية المجمدة والمهددة في المصارف العالمية الكبرى والتحفظ الأمريكي المستمر عليها.
وتوضح التفاصيل المسربة أن واشنطن لم توافق حتى الوقت الحالي إلا على الإفراج الجزئي والمشروط عن ربع تلك الأصول المالية فقط، على أن يتم ذلك بناء على جدول زمني مرحلي ممتد ومعقد وهو ما ترفضه طهران وتطالب بإعادة النظر فيه بشكل فوري، حيث ركزت إيران في مقترحها الجديد المنقح بشكل أساسي على ضمان الإنهاء الكامل والنهائي للحرب الدائرة وإعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي ورفع العقوبات البحرية المفروضة.
وقرر المفاوضون ترحيل القضايا الأكثر إثارة للجدل والتعقيد والمرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني وتخصيب اليورانيوم إلى جولات ومراحل لاحقة من المحادثات السياسية، لكونها تمثل الجزء الأصعب والأكثر حساسية في بنية المفاوضات الحالية التي قد تنهار في أي لحظة، في حين أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده مستعدة بشكل كامل لجميع السيناريوهات والخيارات المتاحة بما فيها المواجهة المباشرة والدفاع عن مصالحها القومية.
شروط التهدئة ومواقف الأطراف المتنازعة
وأوضح بقائي في مؤتمره الصحفي الأسبوعي بوجوب توخي الطرف الآخر الحذر الشديد لأن طهران تعرف تماماً كيف ترد بشكل مناسب وحاسم على أي خطأ، وجاء هذا التحذير بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي أعلن فيها أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه سابقاً في أبريل بات على حافة الانهيار الكامل، مشيراً إلى أن الرد الإيراني الأخير أظهر بوضوح عمق الفجوة وصعوبة التوافق القريب.
وتشمل القضايا الكبرى والمعرقلة لمسار الدبلوماسية الطموحات النووية المثيرة للقلق وسيطرة القوات الإيرانية الكاملة على حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز الحيوي، حيث تسببت التوترات في تعطيل الملاحة والتجارة الدولية التي تشمل تاريخياً نحو خمس إنتاج العالم من النفط والغاز المسال، وتصر طهران بشكل قطعي على إنهاء الحرب بشكل متزامن على جميع الجبهات الإقليمية المشتعلة بما في ذلك الساحة اللبنانية التي تشهد مواجهات مسلحة عنيفة.
واشترطت الإدارة الإيرانية وقف كافة الأعمال القتالية بشكل دائم وقبل البدء في مناقشة أي تفاصيل تخص برنامجها النووي المثيرة للجدل، بالإضافة إلى مطالبتها الصريحة بالحصول على تعويضات مالية ضخمة عن الأضرار الناجمة عن الحرب ورفع الحصار البحري الأمريكي المفروض عليها، وضمان عدم شن أي هجمات عسكرية مستقبلية ضد أراضيها مع السماح الفوري والكامل باستئناف مبيعات النفط والغاز الإيراني في الأسواق العالمية دون قيود.
وثائق الردود المتبادلة والخطط المقترحة
وأكد المتحدث الرسمي أن إيران لن تتراجع بأي حال من الأحوال عن حقوقها المشروعة بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الدولية، واصفاً المطالب الإيرانية الحالية بأنها حقوق واضحة وغير قابلة للتفاوض أو المساومة السياسية وليست مجرد شروط تعجيزية كما يروج الجانب الآخر، واعتبر بقائي أن الولايات المتحدة الأمريكية فقدت مصداقيتها بالكامل على المستوى الدولي ولم تعد شريكاً موثوقاً به لإبرام الاتفاقيات الدائمة في المنطقة.
ودعا المتحدث الإيراني دول المنطقة وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة إلى استخلاص العبر والدروس المستفادة من أحداث الأشهر القليلة الماضية، معتبراً أن الوجود العسكري الأمريكي لم يحقق الأمن المنشود بل عرض المنطقة بأسرها لمخاطر حقيقية وجسيمة، وكشف عن تلقي طهران عبر الوسيط الباكستاني ملاحظات تصحيحية أمريكية على خطتها الشاملة المؤلفة من أربعة عشر بنداً والتي جرت دراستها بدقة وتقديم الرد المناسب عليها مؤخراً.
وفي ذات السياق اعتبر عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني عباس غلرو أن المقترح الأخير المقدم من طهران يحمل أبعاداً إيجابية للغاية، لكونه يجمع بين التمسك بالمبادئ والمرتكزات الأساسية لحقوق الدولة وبين تقديم حلول عملية ومبتكرة للخروج من حالة الجمود الراهنة، مؤكداً أن الكرة أصبحت الآن بالكامل في الملعب الأمريكي وأن واشنطن هي المطالبة بحسم موقفها النهائي من الانخراط في العملية التفاوضية المنظمة.
الرواية العسكرية للحرس الثوري وتصعيد المواقف
وسعت وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري الإيراني إلى تكريس وتثبيت روايتها الخاصة بشأن المسار التفاوضي الحالي وخلفياته السياسية المعقدة، حيث نقلت وكالة تسنيم عن مصادر مقربة من فريق التفاوض أن طهران سلمت بالفعل نصاً منقحاً يتكون من أربعة عشر بنداً للوسيط الباكستاني، وأوضح المصدر أن النص الجديد يركز بشكل أساسي على آليات إنهاء الحرب وإجراءات بناء الثقة المطلوبة والملزمة للجانب الأمريكي خلال المرحلة القادمة.
وأشارت المصادر الإعلامية إلى أن واشنطن وافقت في نصها الأخير على تعليق مؤقت للعقوبات النفطية المفروضة على الصادرات الإيرانية خلال فترة التفاوض، وهو ما يعتبر تنازلاً لافتاً مقارنة بالنصوص السابقة بالرغم من إصرار طهران على الرفع الكامل والشامل وليس التعليق المؤقت الصادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، وفي المقابل نشرت وكالة فارس تفاصيل الشروط الأمريكية الخمسة والتي تتضمن تسليم كميات كبيرة من اليورانيوم عالي التخصيب.
وتشمل الشروط الأمريكية أيضاً إبقاء منشأة نووية واحدة فقط عاملة في البلاد وعدم دفع أي تعويضات مالية مع تحديد نسبة الإفراج عن الأموال المجمدة بربع القيمة الكلية فقط، وربط وقف الحرب بالدخول في مفاوضات رسمية ومباشرة وهو ما وصفته وكالة مهر الحكومية بالشروط المفرطة والتعجيزية، حيث ترى وسائل الإعلام الرسمية أن واشنطن تحاول انتزاع تنازلات سياسية كبرى عجزت عن تحقيقها عبر الوسائل العسكرية المباشرة خلال الحرب.
التهديدات الأمريكية والردود البرلمانية الإيرانية
وفي المقابل هاجم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب القيادة الإيرانية بشدة واتهمها بالمراوغة السياسية المستمرة بالرغم من توقها الشديد لتوقيع اتفاق سريع لوقف إطلاق النار، وأوضح ترمب في تصريحات صحفية لمجلة فورتشن أن الإيرانيين يوافقون مبدئياً ثم يرسلون وثائق ومقترحات لا تمت بصلة للتفاهمات التي تم التوصل إليها سابقاً، معتبراً أن سلوكهم التفاوضي يعكس حالة من عدم الجدية ويتعامل مع الملفات الدولية المعقدة كأنها منافسة تجارية عنيدة.
ومن المتوقع أن يعقد الرئيس الأمريكي اجتماعاً حاسماً مع كبار مستشاري الأمن القومي لبحث الخيارات العسكرية المتاحة تجاه المنشآت الإيرانية الحيوية، وكان ترمب قد التقى بفريقه الأمني في ناديه للغولف بولاية فرجينيا مؤكداً أن الساعة تدق بسرعة وأن طهران ستتعرض لضربة عسكرية أقوى بكثير إذا لم تقدم اتفاقاً أفضل، وفي الوقت ذاته دعا وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت دول مجموعة السبع لفرض عقوبات مشددة تستهدف آلة الحرب الحالية.
وجاء الرد البرلماني الإيراني سريعاً وحاداً حيث أكد المتحدث باسم لجنة الأمن القومي إبراهيم رضائي أن التهديدات الأمريكية لا قيمة لها ولن تثني بلاده عن مواقفها، وحذر النائب المتشدد محمود نبويان من مغبة أي هجوم عسكري يستهدف القيادات السياسية أو العسكرية وعلى رأسهم مجتبى خامنئي مؤكداً أن الرد سيكون تدميراً شاملاً، وكشف نبويان عن توجه البرلمان للتصويت القريب على مشروع قانون يحدد مكافآت مالية ضخمة لمن يقتل ترمب أو نتنياهو.
وعلى الصعيد الدولي حث المستشار الألماني فريدريش ميرتس الحكومة الإيرانية على الدخول في مفاوضات جادة وصادقة مع واشنطن ووقف تهديداتها المستمرة لدول الجوار الإقليمي، وندد ميرتس بالهجمات الصاروخية وبالمسيّرات التي استهدفت منشآت حيوية ونووية في المنطقة ومنها منشآت دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما أدان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الهجوم الأخير بالمسيّرات الذي استهدف محطة براكة النووية الإماراتية مؤكداً تضامنه الكامل مع أبوظبي ودعوته لضبط النفس وتفعيل الحلول الدبلوماسية.




