يحلّ ذكرى رحيل المخرج والممثل المسرحي الكبير سعد أردش، أحد أبرز رواد الحركة المسرحية في مصر والعالم العربي، والذي ترك إرثًا فنيًا وثقافيًا امتد لأكثر من نصف قرن، وأسهم في تشكيل ملامح المسرح المصري الحديث من خلال رؤيته الإخراجية المتجددة وأعماله التي جمعت بين الفكر والإبداع.
رحيل سعد أردش
ورحل سعد أردش في 13 يونيو عام 2008 عن عمر ناهز 84 عامًا بعد صراع مع المرض، تاركًا خلفه تاريخًا حافلًا بالإنجازات الفنية والإدارية والأكاديمية التي جعلت اسمه واحدًا من أهم الأسماء في تاريخ المسرح المصري.

وُلد سعد عبدالرحمن أردش في مدينة فارسكور بمحافظة دمياط عام 1924، وبدأ رحلته العلمية بالحصول على دبلوم المعهد العالي للفنون المسرحية، ثم نال ليسانس الحقوق من جامعة عين شمس، قبل أن يسافر إلى إيطاليا لاستكمال دراسته المتخصصة في الإخراج المسرحي، حيث حصل على الدكتوراه من أكاديمية الفنون المسرحية بروما عام 196، وقد ساهمت هذه التجربة الأوروبية في تكوين رؤيته الفنية التي انعكست لاحقًا على أعماله المسرحية.
بدايات سعد أردش
لم تكن بدايات أردش الفنية تقليدية؛ فقد عمل في شبابه موظفًا بالسكك الحديدية، لكنه لم يتخلَّ عن شغفه بالمسرح، إذ كان ينظم عروضًا للهواة قبل أن ينتقل إلى القاهرة ويبدأ مشواره الاحترافي الذي سيضعه لاحقًا في مقدمة صناع المسرح المصري.
ويُعد سعد أردش أحد أبرز رموز النهضة المسرحية خلال ستينيات القرن الماضي، حيث تعاون مع كبار الكتاب المسرحيين مثل نعمان عاشور وسعد الدين وهبة وألفريد فرج ومحمود دياب، كما قدم العديد من النصوص العالمية برؤية مصرية خاصة، ليصبح أحد أهم المخرجين الذين مزجوا بين الفكر والفرجة المسرحية.
أبرز مسرحيات سعد أردش
ومن أبرز المسرحيات التي أخرجها "سكة السلامة"، و"السبنسة"، و"يا طالع الشجرة"، و"أنتيجون"، و"الذباب"، و"الإنسان الطيب"، و"دائرة الطباشير القوقازية"، و"كاليجولا"، وهي أعمال رسخت مكانته كمخرج يمتلك قدرة استثنائية على تقديم النصوص الكلاسيكية والمعاصرة بأساليب مبتكرة. كما كانت مسرحية "الشبكة" آخر أعماله على خشبة المسرح القومي عام 2007.
ولم يقتصر تأثير أردش على الإخراج فقط، بل لعب دورًا مهمًا في تطوير المؤسسات المسرحية المصرية، حيث تولى إدارة مسرح الجيب، ومسرح الحكيم، والمسرح القومي، كما شغل منصب رئيس البيت الفني للمسرح، وأسهم في تأسيس حركة المسرح التجريبي في مصر، واختير أول رئيس لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 1986.
وعلى الصعيد الأكاديمي، كان سعد أردش أستاذًا ورئيسًا لقسم التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتتلمذت على يديه أجيال عديدة من الفنانين والمخرجين الذين حملوا أفكاره ورؤاه إلى خشبات المسرح في مصر والعالم العربي. كما ترك عددًا من المؤلفات والدراسات المتخصصة التي أصبحت مراجع مهمة لطلاب المسرح.
أعمال سعد أردش كممثل
ورغم أن شهرته الأكبر ارتبطت بالمسرح، فإن أردش شارك أيضًا كممثل في عدد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية البارزة، من بينها فيلم "قنديل أم هاشم" وفيلم "الاختيار"، إضافة إلى مسلسلات شهيرة مثل "المال والبنون"، ليترك بصمة واضحة أمام الكاميرا كما فعل على خشبة المسرح.
وخلال مسيرته الطويلة حصد العديد من الجوائز والأوسمة، من أبرزها وسام العلوم والفنون عام 1967، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون، إلى جانب تكريمات عربية متعددة تقديرًا لعطائه الممتد في خدمة المسرح والثقافة العربية.
وبعد أكثر من ستة عقود من العمل المتواصل بين الإخراج والتمثيل والتدريس والإدارة الثقافية، ظل اسم سعد أردش حاضرًا كأحد أهم الرواد الذين أعادوا صياغة المسرح المصري الحديث، وأسهموا في ترسيخ مكانته كمنبر للفكر والإبداع، ليبقى إرثه الفني شاهدًا على رحلة استثنائية لفنان عاش للمسرح ومنحه عمره كله.




