أخبار عاجلة

لأدنى مستوى منذ 40 عامًا.. الحرب الإيرانية تستنزف احتياطيات النفط الأمريكية

لأدنى مستوى منذ 40 عامًا.. الحرب الإيرانية تستنزف احتياطيات النفط الأمريكية
لأدنى مستوى منذ 40 عامًا.. الحرب الإيرانية تستنزف احتياطيات النفط الأمريكية

 ​شهدت أسواق الطاقة العالمية تحولات دراماتيكية حادة بعد أن تسببت الحرب الإيرانية في استنزاف مخزونات الطوارئ لدى الولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير مسبوق، وأدى هذا التصعيد العسكري المباشر إلى تراجع الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية لتقترب من مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ أكثر من أربعة عقود كاملة، حيث دفعت المخاوف المتزايدة من انقطاع الإمدادات الإدارة الأمريكية إلى سحب مكثف ودوري من المخزون الإستراتيجي، وذلك لتأمين السوق الداخلي وحماية الاقتصاد من قفزات الأسعار المحتملة.

​وحسب تقرير لشبكة إن تي في الألمانية الإخبارية فقد انخفضت كميات النفط في الاحتياطي الإستراتيجي الأمريكي إلى نحو 340.3 مليون برميل خلال شهر يونيو الحالي، ويعتبر هذا الرقم الضئيل هو الأدنى على الإطلاق منذ شهر يوليو من عام 1983، وجاء هذا التراجع الحاد مقارنة بنحو 415 مليون برميل كانت تمتلكها واشنطن في بداية العمليات العسكرية ضد طهران أواخر فبراير الماضي، علماً بأن الطاقة الاستيعابية القصوى والكاملة لتلك المستودعات الضخمة تبلغ حوالي 714 مليون برميل.

​وتزامن هذا التدهور في المخزونات بعد قرار منسق اتخذته الولايات المتحدة بالتعاون مع ألمانيا ودول أخرى في وكالة الطاقة الدولية، حيث قضى القرار بالإفراج السريع عن كميات ضخمة من مخزونات الطوارئ خلال شهر مارس الماضي، واعتبر خبراء الاقتصاد أن هذه الخطوة هي الأكبر في تاريخ السحب المنسق للمخزونات الإستراتيجية العالمية، وجاءت المحاولة بهدف وضع حد للارتفاع الشديد في أسعار الوقود وتأمين مسارات التجارة البحرية في الممرات الحيوية.

​ووجهت الحرب الإيرانية ضربة قوية لخطط الإدارة الأمريكية التي حاولت طمأنة الأسواق العالمية والمحلية في بداية الأزمة، وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد صرح في ذلك الوقت بأن السحب من المخزون النفطي الأمريكي سيكون بشكل طفيف ومؤقت فقط، وذكر أن الهدف الأساسي هو مساعدة المستهلكين وخفض الأسعار في محطات الوقود، إلا أن الضغوط الميدانية والاقتصادية المتصاعدة أجبرت الإدارة على استهلاك كميات أكبر بكثير مما كان مخططاً له.

ضغوط سياسية واقتصادية خانقة داخل واشنطن

​واجهت إدارة الرئيس دونالد ترامب ضغوطاً سياسية وداخلية متزايدة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء بسبب التضخم، وترتبط الأزمة ارتباطاً وثيقاً بارتفاع أسعار البنزين والديزل وتراجع معدلات التأييد الشعبي للإدارة الحالية، وتأتي هذه الاضطرابات الاقتصادية في وقت حساس للغاية يسبق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر المقبل، مما جعل السيطرة على تكلفة الطاقة والأمن القومي مسألة حياة أو موت سياسي للإدارة التي تبحث عن الاستقرار.

​وأدت الحرب الإيرانية المستعرة إلى تقلبات متتالية وموجات صدمة عنيفة ضربت البورصات العالمية للنفط الخام بلا توقف، وتأثرت الأسواق مباشرة بالمخاوف الأمنية المتعلقة بحركة الملاحة وسفن الشحن في مضيق هرمز الإستراتيجي، ويعد هذا المضيق الشريان الرئيسي لتدفق النفط من منطقة الخليج العربي إلى كافة أنحاء العالم، وانعكس هذا التهديد الأمني فوراً على أسعار البيع بالتجزئة للمواطنين الأمريكيين، وأثار موجة عارمة من الانتقادات والاتهامات الحادة للسياسة الخارجية الحالية.

​وحذرت كبرى المؤسسات الاقتصادية والمنظمات الدولية من أن استمرار المعارك العسكرية كان سيفاقم أزمة الطاقة العالمية بشكل خطير، وأشارت التقارير إلى احتمال حدوث نقص حاد وجفاف في إمدادات الوقود خلال فصل الصيف الحالي، ودفع هذا الخوف المستمر واشنطن وحلفاءها الأوروبيين إلى الاعتماد المفرط على الاحتياطيات الإستراتيجية، وكان الهدف هو تعويض أي نقص طارئ ومنع انهيار الأسواق نتيجة تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.

​وتشير البيانات التاريخية إلى أن الوصول إلى هذه المستويات المتدنية يحرم الولايات المتحدة من أوراق قوة رئيسية، وأصبح من الصعب على القوى الغربية مناورة أي أزمات طاقة مفاجئة قد تحدث في المستقبل القريب، وتجمع الأوساط النفطية على أن عملية إعادة ملء المستودعات الإستراتيجية إلى سابق عهدها تتطلب ميزانيات ضخمة، وقد تستغرق هذه العملية سنوات طويلة من الشراء المستمر بأسعار قد تكون مرتفعة للغاية وتكلف الخزانة مليارات الدولارات.

اتفاق إطار يلوح في الأفق لإنهاء الأزمة

​وسط هذه الأجواء المشحونة أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن التوصل إلى اتفاق إطار مبدئي مع طهران، ويهدف هذا الاتفاق السياسي والدبلوماسي إلى إنهاء الحرب الإيرانية ووقف النزاع المسلح والأزمة النفطية المصاحبة له، ورغم أن التفاصيل الكاملة والبنود النهائية للاتفاق لم تتضح بعد بشكل كامل للرأي العام، إلا أن البيت الأبيض يعول بقوة على هذه الخطوة لاحتواء الضغوط الاقتصادية الداخلية وإعادة التوازن لأسواق الطاقة.

​وأظهرت التقارير الاقتصادية الصادرة حديثاً أن مجرد الإعلان عن تقدم المفاوضات انعكس إيجابياً وبسرعة على بورصات النفط، وتراجعت الأسعار العالمية وفقدت بعض المكاسب القياسية التي سجلتها طوال أشهر القتال الماضية، وجاء هذا الهبوط المدفوع بالتفاؤل مع تزايد التوقعات بإعادة فتح مسارات التجارة العالمية، ويعلق المستثمرون آمالاً عريضة على عودة تدفقات النفط بصورة طبيعية وآمنة عبر البحار والممرات المائية دون تهديدات عسكرية أو عقوبات إضافية.

​ويرى خبراء ومحللون سياسيون أن هذا الاتفاق المرتقب يمنح الإدارة الأمريكية فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس وتخفيف الاختناقات، وسوف يسهم في تقليل الضغط المستمر على معروض الطاقة العالمي والمحلي في الولايات المتحدة، لكن نجاح هذا المسار الدبلوماسي سيظل رهناً بقدرة الطرفين على الالتزام الفعلي، ويتطلب الأمر التوصل إلى تسوية نهائية وشاملة تضمن عدم تكرار النزاعات المسلحة التي استنزفت ثروات واحتياطيات إستراتيجية هامة طوال الفترة الماضية.

​وتتزايد الآمال بأن يؤدي وقف إطلاق النار إلى استقرار مستدام يحمي الاقتصاد العالمي من الركود، وسيتيح التوقف ببدء وضع خطط زمنية طموحة لإعادة بناء المخزونات الأمريكية النفطية، وتترقب الأسواق العالمية في الأيام القادمة الإعلان الرسمي عن تفاصيل الاتفاق وبنوده الأربعة عشر، والتي تشمل رفع القيود التجارية وتأمين الملاحة البحرية، مما يمهد الطريق لإنهاء مرحلة من القلق والتوتر أضرت بالنمو الاقتصادي العالمي ومصالح الدول المستهلكة.