وسط يوم مزدحم بالتفاصيل والمسؤوليات، أصبح التفكير في الطعام لا يشغل حيزًا كبيرًا من تفكيرنا ولا يومنا، بمجرد أن يتبخر سؤال "هناكل إيه النهاردة" أو ننتهي من طلب وجبة اليوم بضغطة زر على تطبيق ذكي. ولم نعد نفكر تقريبًا في تلك الرحلة الطويلة التي يقطعها هذا الطعام قبل أن يصل إلينا، ولا الأيادي التي صحبته في هذه الرحلة.
"كيف يصلك الطعام؟" هذا هو السؤال الذي اختار مركز "سيداچ" البحثي الفرنسي أن يجيب عليه من خلال أحدث إصداراته، الصحيفة الفنية المصورة بعنوان "كيف يصلك الطعام؟" والتي تكشف الرحلة الطويلة للغذاء من الحقل إلى المائدة.
الصحيفة من تحرير وتقديم فريدة يوسف ونوران المرصفي بالتعاون مع شبكة "تنمو" للانتقال البيئي العادل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تقدم تجربة بصرية وسردية تستكشف نظم الغذاء في مصر من منظور العدالة البيئية والسيادة الغذائية. وتكشف من خلال عدسات مصورين مصريين الكواليس المعقدة وظروف العمل الشاقة وراء طعامنا اليومي.
كيف يصلك الطعام
أيادي النساء في رحلة ما قبل المطبخ
تكشف الصور في إصدار "كيف يصلك الطعام" أن علاقة المرأة الوثيقة بالطعام لا تبدأ كما يظن البعض في المطبخ وحسب، وإنما تكشف في عدة لقطات إنسانية عميقة عدة نماذج توثق علاقة أعمق، ففي قرية ميت كنانة بالقليوبية، تلتقط عدسة "دعاء عادل" مشهداً لنساء يسرن وسط مزارع التين الشوكي، يحملن الصناديق فوق رؤوسهن وسط الأشواك بخطوات ثابتة، في صورة تعكس إرادة لا تنكسر وقدرة عجيبة على التكيف والصبر.
ولا يختلف المشهد كثيراً في رصد "لؤي زيدان"، حيث تحمل امرأة قمحاً فوق رأسها، وكأنها لا تحمل محصولاً بل تحمل "تعباً وصبراً وانتظاراً طويلاً"، ومسؤوليات لا تُرى وأحلاماً تؤجلها موسماً بعد آخر.
وفي الغربية، تبتسم سيدة وسط زهور الياسمين في صورة "أحمد عبدالله"، وهي ابتسامة خلقتها قسوة التكرار والتحمل الصامت وليس الراحة.
حتى في قلب زحام القاهرة، وتحديداً في حي السيدة زينب، يوثق "محمد شكري" رحلة بائعة تين شوكي تخرج من بيتها "ع باب الرزق" لتبيع صندوقاً أو اثنين في السوق لتأمين يومها، في رحلة تختصر معنى البقاء والمثابرة.
وفي قرية كوم النور بالدقهلية، تجلس سيدة أمام فرنها تعجن الخبز في صورة لـ"أميرة عادل"، لتطرح تساؤلاً حول متى أصبح الخبز طريقة للصمود ومصدراً للأمن الغذائي الذي يبدأ من مطبخ صغير؟

صورة للخبيز بعدسة أميرة عادل

صورة بعدسة دعاء عادل

صورة من حصاد القمح بعدسة لؤي زيدان
البحر بيطلع "بلاستيك".. تحديات بيئية تهدد الزرق
من زاوية إنسانية للغاية، فتحت لقطات أخرى من البحر ملفًا شديد الأهمية، حول التحديات البيئية التي تهدد الرزق وانعكاسات التلوث والتغير المناخي على العاملين في البحر. ففي الإسكندرية، يحكي الصياد "عبدالرحمن" للمصور "حسن غنيم" كيف تشتد التيارات في الشتاء، فتلتقط شباكهم النفايات والبلاستيك بدلاً من الأسماك، متسائلاً إن كانت الحياة تفعل بنا الشيء ذاته وتلقي في طريقنا ما لم نسعَ إليه.
وفي بورسعيد، يرصد "يوسف النحاس" صيادين يخرجون بشباك شبه فارغة عند الغروب، حيث يعيق نبات "ورد النيل" الغازي وصولهم للمسطحات المائية ويتلف شباكهم.

صورة بعدسة عمرو الزعيم
المطابخ المجتمعية.. محاولة للحفاظ على تراث المطبخ
في ختام الطبعة الأولى من الصحيفة الفنية، سلطت الضوء على خريطة بديلة لتناول الطعام، بعيدة عن النمط التجاري للمطاعم التقليدية لصالح مشاريع "المطابخ المجتمعية" والمحلية. واستعرض تجارب اقتصادية ومتوسطة التكلفة تعتمد على قوائم طعام متغيرة يومياً وفقاً للمحاصيل الموسمية وما توفره الأسواق، كاسراً بذلك نمط القوائم الثابتة والطعم المكرر. وتتنوع هذه المبادرات جغرافياً لتوثق نماذج مختلفة؛ منها مطابخ تديرها سيدات في محافظات الصعيد لتقديم الوجبات التراثية، وأخرى متخصصة في المأكولات البحرية المُعدة بالطرق المنزلية، فضلاً عن تجارب الأكل الشعبي داخل الأسواق المفتوحة أو على ضفاف النيل.

صورة للحصاد بعدسة زاد محمد من قرية بالدقهلية

