مع اقتراب ماراثون امتحانات الثانوية العامة، تتكرر مشاهد مألوفة داخل الكثير من البيوت، دعوات يومية من الوالدين للأبناء بالحصول على مجموع يؤهلهم للالتحاق بـ كليات القمة، ومقارنات مستمرة بأبناء الأقارب والجيران، ورسائل متكررة تحمل عبارات مثل " عاوزين نفرح بك"، و "مستقبلك كله متوقف على هذه السنة"، وغيرها ورغم أن هذه الرسائل تنطلق غالبًا من الحب والخوف على مستقبل الأبناء، إلا أنها تتحول إلى ضغط نفسي يؤثر بشكل سلبي على تركيز الطلاب.
وفي هذا السياق، يوضح مصطفى الزريقي، استشاري الصحة النفسية، لـ"اليوم السابع"، الخيط الرفيع الذي يفصل بين الدعم الإيجابي والضغط النفسي المدمر، مقدماً دليلاً شاملاً للآباء لعبور هذه المرحلة بسلام.
وقال استشاري الصحة النفسية إن الدراسات النفسية الحديثة تشير إلى وجود فارق كبير بين الدعم والتحفيز من جهة، والضغط النفسي وفرض التوقعات من جهة أخرى، ويصبح كلام الأهل محفزا عندما يكون التشجيع صحيًا ويشعر الطالب معه أن قيمته لا ترتبط بالمجموع فقط، وأن أسرته تؤمن بقدراته وتدعمه مهما كانت النتيجة النهائية، وفي هذه الحالة يرتفع الدافع الداخلي للإنجاز، ويزداد شعوره بالأمان النفسي والثقة بالنفس.
ولفت استشاري الصحة النفسية إلى أن الطالب الذي يسمع عبارات مثل: "اجتهد قدر استطاعتك، ونحن فخورون بك"، يكون غالبًا أكثر هدوءا وقدرة على التركيز من الطالب الذي يسمع باستمرار: "يجب أن تدخل كلية الطب أو الهندسة مهما كانت الظروف".
متى يتحول التحفيز إلى ضغط نفسي؟
وأشار استشاري الصحة النفسية إن الكلام المشجع يتحول إلى ضغط ضار عندما يشعر الطالب أن حب الأسرة وتقديرها مشروطان بالمجموع أو الكلية التي سيلتحق بها، ومن أبرز المؤشرات على ذلك تكرار الحديث عن المجموع والدرجات طوال اليوم والمقارنة المستمرة بالآخرين. كذلك ربط النجاح بالقيمة الشخصية والتهويل من نتائج الامتحانات وإظهار القلق والتوتر أمام الطالب بصورة دائمة.
وفي هذه الحالة قد تظهر مجموعة من الأعراض النفسية على الطالب تضره وهي القلق المفرط، و اضطرابات النوم، وضعف التركيز، وسرعة الانفعال، وتراجع الثقة بالنفس، والخوف الشديد من الفشل.
وقد تؤدي الضغوط المرتفعة إلى نتائج عكسية، إذ ينخفض الأداء الفعلي للطالب رغم زيادة ساعات المذاكرة، بسبب استنزاف طاقته النفسية والعقلية.
ماذا تقول الدراسات النفسية والتي يجب على الآباء التعامل بها؟
أكد استشاري الصحة النفسية أن أبحاث علم النفس التربوي تشير إلى أن الطلاب يحققون أفضل أداء عندما يتوافر عاملان أساسيان: توقعات واقعية من الأسرة، ودعم عاطفي مستمر بعيدًا عن التهديد أو العقاب أو المقارنات، أما التوقعات المبالغ فيها والمصحوبة بالخوف والضغط النفسي، فترفع مستويات التوتر وتؤثر سلبًا في الأداء الأكاديمي والتحصيل الدراسي.
وبمعنى آخر، يحتاج الطالب إلى من يؤمن بقدراته أكثر من حاجته إلى من يضغط عليه.
نصائح للآباء قبل امتحانات الثانوية العامة
على الآباء الاهتمام والتركيز على مجهود ومتابعة الأبناء، ومدح الالتزام والاجتهاد وحسن تنظيم الوقت، بدلًا من التركيز على الدرجات النهائية فقط، وتجنبوا المقارنات حيث لكل طالب قدراته وظروفه الخاصة، وغالبًا ما تؤدي المقارنات إلى إضعاف الدافعية وتقليل الثقة بالنفس، ولا تجعلوا الثانوية العامة معركة حياة أو موت، فالثانوية العامة هي مرحلة مهمة، لكنها ليست المحدد الوحيد لمستقبل الإنسان أو نجاحه في الحياة.
مع العناية بتوفير بيئة هادئة، مميزة بتعاملات مستقرة حيث تعمل على خفض مستويات التوتر، ومنح الطالب فرصة أفضل للتركيز والاستذكار، والاستمتاع إليهم حيث أكثر ما يحتاجون إليه هو اصغاء الوالدين إليهم وتفهم مخاوفهم أكثر من حاجتهم إلى النصائح المتكررة.
مع ضرورة مراقبة الوالدين علامات الإرهاق النفسي كالأرق الشديد، والبكاء المتكرر، والانسحاب الاجتماعي، أو نوبات القلق الحادة، مع ضرورة التعامل معها مبكرًا.
نصائح مع بدء الامتحانات تحمي الأبناء من الضغط النفسي
ولحماية الأبناء من الضغط النفسي مع انطلاق فترة الامتحانات، ينصح استشاري الصحة النفسية الآباء بتهيئة بيئة داعمة ومطمئنة من خلال تجنب سؤال الطالب عن عدد الدرجات المتوقعة أو مناقشة إجاباته الخاطئة فور خروجه من اللجنة. وبدلاً من الانشغال بما انتهى، يُنصح بتوجيه تركيز الطالب وطاقته نحو الامتحان التالي، مع الحرص الدائم على تقديم رسائل الدعم والتشجيع وتجنب نقل مشاعر القلق والخوف إليه. وإلى جانب الدعم النفسي، يظل الاهتمام بالصحة الجسدية عاملاً أساسياً لتجاوز هذه الفترة بسلام عبر الحفاظ على انتظام ساعات النوم وتناول وجبات غذائية متوازنة.
رسالة مهمة إلى أهالي طلاب الثانوية العامة
وشدد استشاري الصحة النفسية على أهمية ترسيخ ما يحتاج الأبناء إليه خلال هذه الفترة من الشعور بالأمان أكثر من شعورهم بالضغط. ويحتاجون إلى أن يدركوا أن مكانتهم داخل الأسرة لا تتغير بسبب درجة أو مجموع أو كلية، فالمجموع قد يحدد مسارًا دراسيًا، لكنه لا يحدد قيمة الإنسان ولا يرسم مستقبله بالكامل، وغالبًا ما يحقق الأبناء أفضل نتائجهم عندما يشعرون أن أسرهم تقف خلفهم داعمة ومساندة، لا فوقهم ضاغطة ومراقبة، وبين التشجيع والضغط خيط رفيع، قد يصنع الفارق بين طالب يدخل لجنة الامتحان مطمئنًا وواثقًا، وآخر يستنزفه القلق قبل أن يبدأ الإجابة.
أخبار متعلقة :