لا يبدو أن التطور التاريخي لوجود إنسان بدائي، لا يعرف الكلام ولا يمتلك لغة، أو أنه اكتشف ذلك مع تصاعد الزمن، حقيقيا، إلا إذا كنا نعتقد بوجود إنسان ما غير ذلك الذي بدأ بآدم عليه السلام، يشبهه في تكوينه الجيني والهيكلي. فعندما خلق الله آدم وسواه ونفخ فيه من روحه، علمه الأسماء كلها، وقام آدم بأمر الله بتعريفها للملائكة، ويمكن النظر إلى أو تصور تلك الأسماء على أنها المعارف المختلفة لطبيعة الجنة التي كان يسكن فيها أو الكون المحيط بها أيا كان تصوره أو تخيله، ولا بد أن تكون تلك المعارف قد اشتملت على الأخلاق التي سبق وجودها نزول الديانات السماوية اللاحقة، في مراحل متقدمه من عمر الإنسان التي تلت عملية الخلق الأولى. ذلك أنه عندما عصى آدم ربه، اكتشف أن له خواص عقلية ونفسية وأخلاقية، لم يكن يعرف عنها شيئا قبل أن يوسوس له إبليس ليخرج من الجنة أو ليهبط منها. لقد حرم الله على آدم الأكل من الشجرة وترك له كل ما دون ذلك ليتمتع به، فاستجاب لأمر الله دون أن يسأل أو يتساءل لأن فطرته الأولى كانت تعرف الأسماء دون أن تعرف معانيها، فكل ما كان يدركه أن الله خلقه وأمره فأطاعه مثل كل ما كان موجودا أمامه بعد وجوده - مثل ذلك الطفل المولود حديثا يدرك في مرحلة مبكره وجوده، ثم يكتسب المعارف بالتدريج التي تبدأ بالتقليد وتطور بالتعليم ثم التعلم ثم الإدراك ثم الوعي - إلى أن ظهر له إبليس ليغريه بفوائد الأكل من تلك الشجرة المحرمة تحديدا، في تلك اللحظة اكتشف آدم أن له عقل قادر على الاختيار بين ما عرفه من إبليس وبين ما صوره له عقله أن الله خبأه عنه بالتحريم دون تفسير، وأمام هذا الاختيار والرغبة في الاستكشاف، نسي آدم أمر الله فأكل من الشجرة ليشبع حاجة نفسية واكتشاف أثر ما هو غائب عن وعيه ولكن راحت إليه نفسه - ليدرك أن له نفس طواقة، وإن كان لم يكن يدرك بعد وسائل كبحها – إلا أنه فوجىء أن الستر قد انكشف عنه لتظهر عورته، فيجمع ورق الشجر ليصنع منه غطاءا يستر به نفسه، وهنا اكتشف آدم أن له خاصية أخلاقية خُلق بها ولم يكن يدري شيئا عنها، وهي الفضيلة الجامعة لكل الفضائل الآخرى، التي تتمثل في مفهوم الحياء. ثم يتلقى آدم من ربه كلمات ليتوب عليه، فقالها وتاب الله عليه، ليدرك أن خير الخطائين التوابون، وأن كل خطأ يمكن الرجوع عنه بتصحيحه، وإن كان لا بد من دفع ثمن هذا الخطأ. خرج إذن آدم من الجنة أو هبط منها وهو يحمل الأسماء أو المعرفة، كما يعرف أن هناك تجربة وخطأ وتصويب للخطأ، كما أدرك وجود أخلاق، ليورث كل ذلك لأبناءه الذي اكتشف أحدهما بالملاحظة لفعل الطائر معنى وطريقة دفن الموتى، ليتناسل ويتكاثر البشر من نسل آدم إلى يوم قيام الساعة، وهم في حالة إرتقاء معرفي قائمة على التجربة والخطأ والتصويب والاكتشاف. إن تجربة خلق آدم والتطور في بنيته العقلية والنفسية والأخلاقية، توحي فيما توحي، أن الإنسان لا يولد حرا كما هو شائع، ولكنه يولد وبداخله قرار حريته، التي يمكن استغلالها في الارتقاء بنفسه وبمن حوله، أو التنازل عنها والارتكان إلى الجمود بتبني وجهات نظر ليست، له في تقليد أعمى ينقله من الفاعلية في صناعة التاريخ والحاضر إلى سلبية انتظار وثبات واقع غير منتج عقليا وغير مريح نفسيا وغير مستحب أخلاقيا، كما توحي أن خلق الله لآدم بعقل ونفس وأخلاق قد وضع بداخله دون أن يدري بذرة العلم الممثلة في العقل وبذرة الدين الممثلة في النفس وبذرة الفلسفة الممثلة في الأخلاق. ولم يكن على آدم ومن بعده ذريته إلا أن يكتشفوا ما خلقهم الله عليه وبه، ليتفاعلوا مع النفس والطبيعة وليتفكروا في خلق الله وآياته، لذلك لا يمكن الإقرار بحال من الأحوال أن نقول أن العلم في صراع مع الدين أو أن الدين في صراع مع الفلسفة أو أن الفلسفة لا توفق بين الدين والعلم، وإلا فقد الإنسان ذاته في صراعه الداخلي بين عقله ونفسه وأخلاقه، ولكن يمكن القول أنهم وجدوا ليتمكن الإنسان من الحفاظ على وجوده في مواجهة الطبيعة بالعلم، والحفاظ على سلامه النفسي بالدين، والحفاظ على توازنه الفكري والنفسي بالفلسفة. إن النظرة الأولى لعملية نشوء أو خلق آدم بيولوجيا، ثم خلق زوجة له من نفسه، ثم تلقيه المعرفة، ثم اكتشافه لقدراته ورغبته في الكشف، ثم تحمله مسئولية اختياره وقبوله لها، ثم توطينه بالأرض، ثم قيامه بالتناسل لتبدأ منه رحلة البشرية الممتدة، لا تدفع إلا إلى الاعتقاد بأن آدم منذ خلقه، يخضع لعملية تطور مستمرة في جسده وعمره وفكره ونفسيته وأخلاقه، في تفاعله الدائم مع الطبيعة ومع نفسه ومع نظرته الذاتية والعامة إلى الكون، فإذا كنا - على سبيل المثال – لا نعرف كم من السنين عاش آدم عليه السلام، إلا أن القرآن الكريم يخبرنا أن سيدنا نوح عليه السلام قد استمرت دعوته تسعمائة وخمسين عاما، هذا غير ما لا نعرفه عن عمره قبل الدعوة وبعد الطوفان، وفي المقابل لا تتجاوز أعمارغالبية البشرية الآن السبعين عاما، إذن لماذا كانوا في بداية الخليقة لهم هذه الأعمار، وبعد مرور آلاف السنين لنا هذه الأعمار..؟ لا شك أنها عملية تطور قد سنها الله في خلقه، وإلا ما اتسعت أو استوعبت الأرض كل تلك الكائنات التي خلقها الله لتعمر الأرض، وأما لماذا كل هذه الصراعات من أجل البقاء..؟ فهي بلا شك وجدت لتستمر الحياة، وأما لماذا إراقة كل هذه الدماء..؟ فهذا بلا شك ناجم عن فصل الإنسان لمكوناته العقلية والنفسية والأخلاقية، وتبني كل مجموعة من التجمعات البشرية لسلوك آحادي في تبني تلك المكونات بشكل يعتدي أو يطمس كل منها الآخر، أو دمجها بشكل يذيب ويستهلك بعضها الآخر، في حالة عقلية تعرف النفي ولا تعرف التعايش، وتعرف الاحتكار وما ينجم عنه جمود ثم تلاشي، ولا تعرف التنوع وما ينجم عنه من ابتكار.




