في كل عام، ومع الاحتفال بذكرى رحيل الكاتب الروائي الألماني الأشهر كافكا، تعود إلى السطح أسئلة ما زالت عالقة: هل كان كافكا صهيونيًا؟ وهل تُعد عودة مخطوطاته ووثائقه إلى السلطات الإسرائيلية، التي ضمت آلاف المستندات المرتبطة به وبصديقه المقرب ماكس برود، إلى جانب الوثائق الشخصية والرسائل والمخطوطات غير المنشورة، فضلًا عن أعمال أدبية ورسومات ومذكرات تمثل، بحسب خبراء الأدب، نافذة فريدة على المشهد الثقافي والأدبي الأوروبي في مطلع القرن العشرين، دليلًا على مغازلته للصهيونية وانضمامه إليها؟ التقرير التالي يجيب عن ذلك:
منذ وفاة كافكا عام 1924، لعب صديقه ووصيه الأدبي ماكس برود دورًا محوريًا في تشكيل الصورة التي وصلت إلى العالم عن الكاتب. فبرود، الذي هاجر إلى تل أبيب حاملًا معه أوراق كافكا ومخطوطاته، كان من أبرز المدافعين عن فكرة انتماء كافكا إلى المشروع الصهيوني، مستندًا إلى اهتمامه المتزايد باللغة العبرية والثقافة اليهودية في سنواته الأخيرة.
ويشير الكاتب أنور غسان، في مقال بعنوان "هل كان كافكا صهيونيًا؟"، المنشور بمجلة الأدب، عدد مارس 1971، إلى بعض الرسائل التي أوردها برود ضمن الأعمال الكاملة لكافكا بعد عام 1948. ففي إحدى هذه الرسائل يتحدث كافكا عن فتاة يصفها بالشجاعة والمخلصة والمستعدة للتضحية، ثم يطلب من برود أن يعيره أحد الكتب المتعلقة بالصهيونية كي يقدمه لها. وفي رسالة أخرى يلفت إلى أن خطيبها، الذي قُتل في الحرب، كان صهيونيًا، ما يدل على أن الموضوع لم يكن بعيدًا عن اهتماماته أو محيطه الفكري.
ويرى برود أن صديقه انجذب تدريجيًا إلى الفكرة الصهيونية بدافع روحي وثقافي، مستشهدًا بإقباله على تعلم اللغة العبرية. فقد عثر بين أوراقه على دفاتر كاملة تضم تدريبات لغوية بالعبرية، كما كان يواظب على حضور محاضرات تتناول التراث اليهودي والتلمود خلال إقامته في برلين. ويؤكد برود أن معرفة كافكا بالعبرية تطورت إلى درجة مكنته من قراءة بعض النصوص الأدبية بلغتها الأصلية، وأنه كان يتحدث أحيانًا عن رغبته في الهجرة إلى فلسطين والعيش هناك من خلال عمل يدوي بسيط.
غير أن هذه الصورة التي رسمها برود لا تحسم المسألة. فالنصوص التي تركها كافكا نفسه تكشف شخصية أكثر تعقيدًا وأبعد ما تكون عن اليقين الأيديولوجي. ففي واحدة من أشهر عباراته يتساءل: "ما الذي يجمعني باليهود؟ إن من الصعب القول بوجود شيء يجمعني حتى مع نفسي".
تكشف هذه العبارة جوهر المعضلة الكافكاوية. فالرجل الذي أمضى حياته في الكتابة عن الاغتراب والعزلة والبحث المستحيل عن الانتماء، كان يجد صعوبة حتى في تعريف ذاته. ولذلك تبدو محاولة ضمه إلى أي هوية سياسية أو قومية بصورة قاطعة أمرًا يتعارض مع طبيعة شخصيته وأدبه معًا.
ربما كان كافكا مهتمًا بالثقافة اليهودية، وربما فكر في الهجرة إلى فلسطين، وربما تعاطف مع بعض الأفكار الصهيونية في سياقها التاريخي والثقافي. لكن المؤكد أن كافكا ظل، حتى النهاية، كاتبًا عصيًا على التصنيف، ومفكرًا شكاكًا في كل الهويات الجاهزة. ولهذا يبقى السؤال مفتوحًا بعد مرور أكثر من قرن: هل كان كافكا صهيونيًا؟ أم أنه كان، قبل كل شيء، كافكا فقط؟.
فرانز كافكا
كاتب وروائي من أصل ألماني، ويعتبر من أهم أدباء القرن العشرين ولكنه لم يحقق شهرة وهو على قيد الحياة. أستخدم الكتابة والأدب للتعبير عن عالمه الداخلي المأساوي، وتميزت أعماله بالواقعية والمرارة والنهاية المفزعة لكافة أبطال رواياته. من أبرز أعماله رواية " المحاكمة “، " المسخ" و" القلعة “.فران




