أخبار عاجلة

بيوت العنكبوت!

بيوت العنكبوت!
بيوت العنكبوت!

في كل مرة يُثار فيها الحديث عن قانون الأحوال الشخصية، ينشغل البعض بمعارك الأرقام والحقوق القانونية المجردة، بينما تغيب الحكايات الإنسانية الحقيقية خلف أبواب البيوت المغلقة، هناك نساء وأطفال يدفعون يوميًا ثمن خلافات كان من المفترض أن تُحل بالرحمة قبل القانون، وبالمسؤولية قبل الأحكام.

المؤلم أن بعض أكثر صور الظلم قسوة لا تأتي من الغرباء، بل من أقرب الناس، من الأب الذي كان يفترض أن يكون السند والأمان. فكيف يهون على أب أن يترك أبناءه دون نفقة تكفي احتياجاتهم الأساسية؟ وكيف يقبل أن يرى ابنته أو أم أطفاله تكافح وحدها من أجل الطعام والعلاج والتعليم بينما يتنصل هو من مسؤولياته؟

لا أحد ينكر أن هناك نساء يسيئون استخدام بعض الحقوق أو يتعسفن في بعض الحالات، فالمجتمع لا يخلو من النماذج السلبية لدى الرجال والنساء على السواء، لكن الواقع يكشف أيضا عن آلاف السيدات اللاتي يتحملن أعباء الحياة كاملة بعد أن اختفى الأب من المشهد، تاركا خلفه أطفالا يدفعون ثمن الخلافات التي لم يكونوا طرفًا فيها.

وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المعاناة لا تقتصر على طرف واحد، فهناك أيضًا آباء يتحملون مسؤولياتهم كاملة ويجدون أنفسهم وسط نزاعات طويلة تستنزف الوقت والجهد، كما توجد حالات يُساء فيها استخدام بعض الحقوق من أي طرف كان.

لذلك فإن جوهر القضية ليس الانحياز للرجل أو المرأة، بل حماية الأسرة وضمان ألا يكون الأطفال هم الخاسر الأكبر في أي خلاف.

الأكثر إيلامًا أن بعض الآباء لا يكتفون بالامتناع عن الإنفاق، بل يدخلون في معارك هدفها الانتقام أو التشهير أو تشويه السمعة، وكأن الانتصار أمام الناس أهم من الحفاظ على استقرار الأبناء والحقيقة التي يتجاهلها البعض أن الناس الذين يسعون لإرضائهم أو إثبات المظلومية أمامهم لن يعوضوا طفلًا حُرم من حقه، ولن يضمدوا جرح ابنة شعرت أن والدها تخلى عنها، فالأسرة ليست ساحة حرب، والأطفال ليسوا أوراق ضغط، والكرامة لا تُبنى على كسر الآخرين، والأبوة ليست لقبًا في شهادة الميلاد، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تستمر حتى آخر العمر.

ومن هنا تأتي أهمية أن ينظر قانون الأحوال الشخصية بعين أكثر عدالة وتوازنًا، وأن يوفر الحماية لكل من يتعرض للظلم داخل الأسرة، وأن يضمن وصول الحقوق إلى أصحابها بسرعة وعدالة بعيدًا عن سنوات التقاضي الطويلة التي تستنزف الأعصاب والكرامة معًا.

فالقضية في النهاية ليست معركة بين الرجال والنساء، ولا ينبغي أن يتحول قانون الأحوال الشخصية إلى ساحة لتغليب طرف على آخر. المطلوب هو تحقيق توازن عادل يحفظ حقوق المرأة، ويصون حقوق الأب المسؤول، ويضع مصلحة الأبناء فوق أي خلافات أو حسابات شخصية.

إن قوة المجتمع لا تُقاس بعدد القوانين فقط، بل بقدرته على حماية الأضعف فيه، فالمرأة التي تُترك وحيدة لتربي أبناءها، والأب الذي يؤدي واجباته ويستحق الإنصاف، والطفل الذي ينتظر حقه في الرعاية والاستقرار، جميعهم يستحقون نظامًا أكثر عدلًا ورحمة، فحين تُصان حقوق الأسرة كلها، نكون في الحقيقة نحمي مستقبل المجتمع بأكمله، والأهم أن يبني الناس بيوتا قوامها الحب وعمادها الرحمة وأساسها الأخلاق، حتى تفرز أجيالا تنفع المجتمع، ونصيحة خالصة لله لا تشيدون بيوتا قائمة على جمر، ولا تزرعون في قلوب الضعفاء الكراهية والبغضاء.

قال تعالي "وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"