في ترجمة تُنشر لأول مرة باللغة العربية، صدرت مؤخرًا عن دار الرواق للنشر النسخة العربية من كتاب «ثلاثون عامًا في الحرملك» للكاتبة ملك هانم، زوجة الصدر الأعظم العثماني محمد باشا القبرصي، بجهد المترجمة الشابة إيمان مصطفي.
ويُعد الكتاب شهادة نادرة لامرأة يونانية مسيحية وجدت نفسها داخل أسوار الحرملك، حيث تكشف صفحاتها عن تفاصيل الحياة اليومية والدسائس والمؤامرات التي كانت تُحاك في قلب البلاط العثماني، بعيدًا عن أعين العامة.
ظهور الكتاب جاء بمحض الصدفة، إذ بدأت المترجمة رحلة بحث وتقصٍ حول مخطوطة كانت قيد النشر، لتكتشف بعد ذلك الشهادة وقيمتها التاريخية والإنسانية وتقدمها لأول مرة للقارئ العربي.
عن طبيعة هذه الشهادة وما تكشفه من أسرار حول إدارة الحكم داخل الحرملك، وأبعادها التاريخية والاجتماعية، أجرت «الدستور» مع إيمان مصطفى الحوار التالي.
بداية ما الذي دفعك إلى اختيار الترجمة بدلًا من التأليف، رغم امتلاكك تجربة طويلة في مبادرة «سيرة القاهرة» التي أثمرت عددًا من الكتّاب والباحثين؟
الاتجاه إلى الترجمة ليس شيئًا جديدًا بالنسبة لي؛ ففي بداية حياتي الجامعية اعتمدتُ على ترجمة المصادر التاريخية غير المترجمة إلى العربية، خاصة عند الشروع في تسجيل رسالتي للماجستير في العصور الوسطى. كما أتممتُ دورةً تدريبيةً متخصصةً في الترجمة التاريخية، إلى جانب عدد من الدورات المكثفة في اللغة الإنجليزية عمومًا، مما أسهم في تنمية اهتمامي بالنصوص التاريخية غير المترجمة. لذلك، أمتلك قدرًا جيدًا من الخبرة في مجال الترجمة الأكاديمية.
ما قصة ترجمة «ثلاثون عامًا في الحرملك»؟ وكيف ومتى بدأت؟
جاء اختيار هذا الكتاب بمحض الصدفة؛ إذ كنتُ أتصفح كتابًا قيد النشر، فاستوقفتني واقعةٌ وردت فيه لم أتمكن من التحقق من صحتها، وخُيّل إليّ أنها نُقلت على نحوٍ غير دقيق. لذلك اتجهتُ إلى المصدر الموثوق للمعلومة، فكان كتاب «ثلاثون عامًا في الحريم»، وهو ترجمة حرفية لعنوانه.
وعندما بدأتُ تصفح هذا الكتاب، لم أتمكن من التوقف عن قراءته، فبحثتُ مرارًا وتكرارًا عن ترجمة عربية له، لكنني لم أجد أي ترجمة متاحة، فعلمتُ أنه لم يُترجم بعد.
حينها قلت لنفسي: لِمَ لا أبدأ في ترجمة هذا الكتاب، خاصة أنه يتناول معلومات مهمة يرى المؤرخون أنها نُشرت للمرة الأولى، فضلًا عن أن ناقلة هذه المعلومات امرأة من داخل الحرملك، ذلك العالم المغلق الذي كان محرّمًا على الرجال دخوله.
من هي ملك هانم محور الكتاب؟ وما خصوصية الشهادة التي تقدمها؟
مَلك هانم هي زوجة محمد باشا القبرصي، الصدر الأعظم للدولة العثمانية. وُلدت في اليونان في فترة كانت فيها خاضعة لسلطة الدولة العثمانية، وهي امرأة مسيحية تزوجت من رجلٍ عثمانيٍّ مسلم. وتكمن خصوصية الشهادة التي يقدمها هذا الكتاب في أهميتها البالغة؛ إذ كانت مَلك هانم كثيرة الترحال برفقة محمد باشا القبرصي في مختلف الولايات التي عُيّن حاكمًا عليها، بدءًا من يافا في فلسطين، مرورًا ببلغاريا وصربيا، وصولًا إلى إقامتها في إسطنبول. وقد أتاح لها ذلك الاحتكاك بنساء الأسرة الحاكمة، مما مكّنها من الاطلاع على خبايا الحكم وألاعيب السلطة في تلك الفترة.
لماذا اعتبرت الكتاب وثيقة تاريخية وليس مجرد سيرة/ تجربة ذاتية؟
لأن مَلك هانم كما أشرتُ من قبل جمعت بين معرفتها بمجتمع النساء الشرقي داخل الحرملك، واطلاعها من ناحيةٍ أخرى على ألاعيب السلطة الحاكمة ومجتمع الرجال، فقد شكّلت شهادتها وثيقةً فريدة تُعرض للمرة الأولى من منظور امرأةٍ أجنبية تعرّفت على حياةٍ مختلفة تمامًا عن تلك الحياة الأكثر انفتاحًا إلى حدٍّ ما التي عاشتها في أوروبا خلال تنقلاتها بين فرنسا وروما.
ما أهمية نشر مثل هذه الشهادة في الوقت الراهن خاصة وأن حال المرأة اليوم لا يمكن مقارنته بحال «الحرملك»؟
بالطبع، اختلف حال المرأة اليوم اختلافًا جذريًا عمّا كان عليه في زمن الحرملك، ولا يمكن عقد مقارنة عادلة بين نساء ذلك العصر ونساء الحاضر. فقد كانت نساء الحرملك مسلوبات الإرادة، لا يملكن حق تقرير مصيرهن، بل فُرضت عليهن حياة قاسية منذ الصغر. ويعرض الكتاب أوضاع الفتيات منذ لحظة اختطافهن، وكيف كنّ يُخضعن لعمليات تقييم لتحديد أدوارهن المستقبلية: هل ستُخصَّص الفتاة للخدمة، أم تصبح جارية، أم تُوجَّه لأعمال التنظيف، أم تُدرَّب على الموسيقى لتكون من عازفات الحرملك، أم تُعيَّن وصيفة لإحدى أميرات السلطة الحاكمة. وخلال ذلك كله، كنّ يُعاملن معاملة بالغة القسوة. ومن هذا المنطلق، يُبرز الكتاب الفارق الكبير بين الماضي والحاضر، مذكّرًا نساء اليوم بما وصلن إليه من قدرٍ كبير من الحرية؛ إذ إن أبسط الحقوق التي تُمارَس اليوم كان مجرد التفكير فيها في الماضي يُعد جريمة قد تُعرّض صاحبتها لعقوبات قاسية، وربما للموت.
ما الدلالة التي أردت تأكيدها من اختيار مفردة/ لفظة «الحرملك» بدلا من «الحريم» السائدة في تعريف تلك الحقب؟ وإلي أي مدي يعبر عن طبيعة الزمن الذي أفرزه؟
جرى اعتماد هذا العنوان بصيغته الحالية بدلًا من الاسم الشائع «ثلاثون عامًا في الحرملك»، وذلك لتمكين القارئ من إدراك ما تشير إليه الكاتبة على وجه التحديد؛ إذ إن مقصدها الأصلي يتصل بالحرملك بوصفه المكان والفضاء الاجتماعي الذي دارت فيه أحداث حياتها. فمن خلال هذا الفضاء، تشكّلت جميع وقائع الكتاب وسياقاته.
هل هناك مشتركات بين حال «الحرملك» في البيوت العثمانية والنساء المصريات في ذاك العصر؟ وما هي؟
تنقل مَلك هانم في كتابها جانبًا مهمًا من زيارتها للأميرة نازلي، ابنة والي مصر محمد علي باشا. واستنادًا إلى شهادتها حول الحرملك المصري، أرى أنها تمثل تجربة مختلفة إلى حدٍّ ما؛ إذ تمتّعت أميرات الأسرة الحاكمة في مصر بقدرٍ من الحرية وإن كان محدودًا يفوق ما حظيت به الأميرات العثمانيات في تركيا. ويُعزى ذلك إلى طبيعة الحياة في مصر بعد تجربة محمد علي، التي اتسمت بقدرٍ أكبر من الانفتاح، فضلًا عن التحولات التي شهدها المجتمع المصري عقب مجيئه. ومع ذلك، ظلّت العادات الشرقية سواء في مصر أو في تركيا حاضرة إلى حدٍّ كبير دون تغير جوهري.
ما بين الرواية التاريخية والاعترافات الذاتية أين تقع شهادة مَلك هانم؟
على الرغم من أن مَلك هانم تسرد في كتابها تفاصيل عميقة وجديدة عن مظاهر الحياة داخل «الحرملك»، فإنها في الوقت نفسه تقدّم بصورة مباشرة سيرتها الشخصية وتجربتها الذاتية؛ إذ يتمحور الكتاب في المقام الأول حول حياتها ومراحلها المختلفة، في عرضٍ واضح يثير دهشة القارئ إزاء التحولات التي طرأت عليها، وكيف كانت في بداياتها، وكيف أصبحت لاحقًا.
أشرت في مقدمتك إلي «ثغرة» في شهادة ملك هانم.. ما هي هذه «الثغرة»؟ وماذا أيضًا عن «الفضيحة» التي تعرضت لها؟
في نهاية الكتاب، هرّبت مَلك هانم إلى أوروبا برفقة ابنتها «عايشة»، وكُتب الكتاب كله خلال تلك الفترة، ما يفسّر وجود بعض الأخطاء المتعلقة بالسنين وذكرها الصحيح. كانت «فضيحة» مَلك هانم حديث الصحافة والمجتمع العثماني آنذاك، إلى درجة يمكن معها تمييز حياتها قبل «الفضيحة» وحياتها بعدها. فقد تعرضت لمؤامرة دبرها بعض خدمها، أدت إلى تشكيك المجتمع في نسب ابنها «جهاد»، والتساؤل عمّا إذا كانت هي الأم البيولوجية له أم لا.
شنت الصحافة والقصر العثماني حربًا عليها، واستغل كل من يكن لها العداء الفرصة لاتهامها بشتى الجرائم، ما أسفر في النهاية عن نفيها، وطلاقها من محمد باشا القبرصي، وحرمانها من ابنتها «عايشة» ومن كل الثروة التي جمعتها على مدار السنوات.
أشرت إلى تشكيك بعض المؤرخين في دقة رواية ملك هانم، كيف تعاملت مع هذا الجدل أثناء تقديم الكتاب؟
الكتاب في المقام الأول عمل مترجم، وكمترجمة لا يحق لي التدخل في النص إلا بما يسهم في تسهيل فهمه للقارئ فقط، ولا يجوز لي تصحيح أي معلومة واردة فيه، فهذا ما تقتضيه الأمانة العلمية. ومع ذلك، وضحت في الهوامش كل ما يستوجب التوضيح للقارئ. ومن هذا المنطلق، أشرت في المقدمة إلى وجوب الحذر في التعامل مع المعلومات الواردة في الكتاب، خاصة أنه مكتوب من منظور استشراقي.
إلى أي حد يمكن الوثوق بالشهادات الشخصية في كتابة التاريخ؟
أرى أن الشهادات الشخصية التاريخية يجب أن تُؤخذ وفقًا لطريقتين رئيسيتين: أولًا: أن يكون الكاتب معاصرًا للحدث وقريبًا منه، ومعروفًا عنه الأمانة في النقل. فالقرب الزمني والمصداقية يعززان موثوقية الرواية التاريخية.
ثانيًا: أن يكون الكاتب محايدًا تمامًا عن آرائه الشخصية، إذ إن مهمته في النهاية هي نقل الحدث التاريخي كما وقع، وليس التعبير عن أهوائه أو ميوله. ويجب أن تتوفر في المؤرخ النزاهة التامة والاحترافية في الكتابة التاريخية، حتى لا تتدخل الأهواء الشخصية في صياغة التاريخ.
بين ضحية للسلطة وشريكة في صنعها، أين تقف ملك هانم؟
يقف الكتاب في حياد تام بين الطرفين، إذ يكشف سيرة امرأة لم تكن ضحيةً خالصة، ولا منتصرةً كاملة، بل يظهرها كما هي، بكل تناقضاتها وتجاربها الإنسانية المعقدة.
هل يمكن اعتبار هذه الشهادة موجهة للقارئ الغربي؟
نعم، يمكن القول إن الكتاب موجه في المقام الأول للقارئ الغربي، إذ كُتب بأسلوب استشراقي، ووجهت فيه مَلك هانم انتقادات لاذعة للحياة الشرقية بشكل عام. ومع ذلك، يظل الكتاب شاهدًا ثقافيًا مهمًا، يعكس التفاعلات والعلاقات بين الشرق والغرب في القرن التاسع عشر، ويقدّم رؤية فريدة للوعي الاجتماعي والثقافي في تلك الحقبة.
كيف استطعت التمييز بين الحقيقة التاريخية والانطباع الشخصي داخل الشهادة، خاصة أنك ذكرت تشكيك المؤرخين فيها؟
كانت الحقيقة التاريخية بالنسبة لي سهلة التحقق، والتأكد من أن ما تسرده الكاتبة يعكس انطباعها الشخصي، وذلك بفضل دراستي الأساسية للتاريخ والبحث المطوَّل الذي أجريته عن تلك الفترة المعاصرة للكتاب، ما مكنني من التمييز بين ما يحتويه النص من أخطاء تاريخية وما هو صحيح.

ما أبرز التحديات التي واجهتك في ترجمة النص؟
اللغة التي استخدمتها مَلك هانم كانت كلاسيكية قوية، تكاد تكون مندثرة في وقتنا الحاضر، وقد وظفت في نصها مصطلحات فرنسية ويونانية قديمة، ما يربك المترجم أحيانًا في فهمها. كما أن بعض المواقف التي تصفها كانت معقدة بالنسبة لي في البداية، رغم أنها قد تكون مألوفة للقارئ الشرقي، خاصة فيما يتعلق بعادات النساء في جلساتهن الخاصة، ما تطلب جهدًا إضافيًا لفهم مقصدها بدقة.
كيف حافظت على روح القرن التاسع عشر دون أن يبدو النص بعيدًا عن القارئ المعاصر؟
الترجمة من الإنجليزية القديمة إلى العربية المعاصرة ليست أمرًا سهلًا أبدًا، خاصة كما ذكرتُ، لأن الكاتبة امرأة غربية لم تفهم عاداتنا وتقليدنا الشرقية. ومع ذلك، حاولت قدر الإمكان تطويع المصطلحات الإنجليزية بما يتوافق مع العربية الصحيحة، وبأسلوب يسهل على القارئ المعاصر فهمه دون الإخلال بالمعنى الأصلي للنص.
هل تدخلت في الترجمة لإيضاح سياقات تاريخية قد لا تكون مألوفة للقارئ؟
حدث هذا أكثر من مرة، لكن ليس في النص الأصلي نفسه، بل في الهوامش. ذكرت ترجمة النص كما هي، ثم أضفتُ هوامش توضح مقصد الكاتبة بطريقة أكثر وضوحًا، لتمكين القارئ من فهم المعنى بشكل دقيق.
على ضوء ما جاء في شهادة ملك هانم.. هل يمكن اعتبار أن «الحرملك» مكان للدسائس والمؤامرات؟
في المقام الأول، يُصوَّر «الحرملك» بوصفه مركزًا تُحاك فيه الدسائس والمؤامرات، لا داخل أسواره فحسب، بل بما يمتد أثره إلى الدولة العثمانية بأسرها. شهد هذا الفضاء كما يعرض الكتاب العديد من المؤامرات التي قادتها نساء، وانعكست نتائجها على الرجال الذين كانوا يديرون شؤون الدولة.
يُبرز السرد كيف استطاعت بعض النساء التأثير في السلاطين، بل والتحكم في قراراتهم في أحيانٍ كثيرة، بما جعلهم أقرب إلى أدوات في أيديهن، وهو ما انعكس بدوره على مسار الدولة وسياساتها. حتى إن هناك مقولة تاريخية شائعة تُرجع جانبًا من ضعف الدولة العثمانية عبر تاريخها الطويل إلى هذا التأثير النسائي في شؤون الحكم، خاصة من خلال التأثير في أحوال السلاطين وقراراتهم.


