أخبار عاجلة
لا والف لا للتعصب -
أطباء مصر بخير ! -

«عبدالله بن عمر».. العائش فى الحقيقة

«عبدالله بن عمر».. العائش فى الحقيقة
«عبدالله بن عمر».. العائش فى الحقيقة

مقتلة كبرى عاشها الفريقان اللذان تواجها فى «صفين»: فريق على بن أبى طالب ومن معه، وفريق معاوية ومن معه. انحاز عبيدالله بن عمر بن الخطاب إلى «معاوية» فى مواجهة «على» وقُتل فى هذه المعركة، فى حين اعتزل شقيقه عبدالله بن عمر الأمر، وطُرح اسمه خلال واقعة التحكيم الذى لجأ إليه الفريقان بعد أن استعر القتل بينهما.

يقول «ابن كثير» فى «البداية والنهاية»: «فلما اجتمع الحكمان تراوضا على المصلحة للمسلمين ونظرا فى تقدير أمور، ثم اتفقا على أن يعزلا عليًا ومعاوية، ثم يجعلا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح لهم منهما أو من غيرهما، وقد أشار أبوموسى بتولية عبدالله بن عمر بن الخطاب، فقال له عمرو: فولِ ابنى عبدالله فإنه يقاربه فى العلم والعمل والزهد، فقال له أبوموسى: إنك قد غمست ابنك فى الفتن معك وهو مع ذلك رجل صدق».

وجهة نظر أبى موسى الأشعرى كانت عزل الرجلين: على ومعاوية، وتولية رجل لم يغمس يده فى الفتن، وتأسيسًا على ذلك طرح اسم عبدالله بن عمر الذى اعتزل الأمر برمته، ولم يقبل اسم عبدالله بن عمرو بن العاص الذى انغمس مع أبيه فى الصراع. بعد واقعة التحكيم اغتيل الخليفة على بن أبى طالب، رضى الله عنه، على يد عبدالرحمن بن ملجم، وبايع الناس ولده الحسن بالخلافة، وقد تنازل الأخير عن الأمر لمعاوية، حقنًا لدماء المسلمين، وبات «ابن أبى سفيان» خليفة للمسلمين.

ومنذ اللحظة الأولى لتوليه والكل يعلم أنه قرر ألا يخرج الأمر من بنى أمية بعد ذلك، وأخذ فى إعداد العدة لتوريث ولده يزيد الحكم، حين شعر باقتراب الأجل. وتمثلت خطوته الأولى فى الكتابة لكل الأقاليم بالبيعة ليزيد، فبايع الناس فى سائر الأقاليم- كما يقول «ابن كثير» فى «البداية والنهاية»- إلا عبدالرحمن بن أبى بكر، وعبدالله بن عمر، والحسين بن على، وعبدالله بن الزبير، وابن عباس، فركب معاوية إلى مكة معتمرًا، فلما اجتاز بالمدينة- فى طريق عودته من مكة- استدعى كل واحد من هؤلاء الخمسة فأوعده وتهدده بانفراده، فكان من أشدهم عليه ردًا وأجلدهم فى الكلام عبدالرحمن بن أبى بكر الصديق، وكان ألينهم كلامًا عبدالله بن عمر بن الخطاب، ثم خطب معاوية وهؤلاء حضور تحت منبره، وبايع الناس ليزيد وهم قعود، ولم يوافقوا ولم يظهروا خلافًا لما تهددهم وتوعدهم، فاتسقت البيعة ليزيد فى سائر البلاد.

لقد بايع عبدالله بن عمر ليزيد شأنه شأن أولاد كبار الصحابة- والسيف فوق رقاب الجميع- لكن عبدالله كان ألينهم كلامًا، لأنه لم يكن يطمع فى الخلافة، وكان مبدأ عبدالله بن عمر دائمًا هو السير مع المجموع والخضوع لرأى الجماعة، وقبل أن يأتى «معاوية» إلى المدينة ويأخذ بالبيعة من أبناء الصحابة، بعث نائبها الوليد بن عتبة إلى عبدالله بن عمر وطلب منه أن يبايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فقال رجل: إنما تريد أن يختلف الناس ويقتتلون حتى يتفانوا فإذا لم يبق غيرك بايعوك، فقال ابن عمر: لا أحب شيئًا مما قلت، ولكن إذا بايع الناس فلم يبق غيرى بايعت.

رأى «عبدالله» كان واضحًا، فقد قرر ألا ينازع أو يصارع على الخلافة، وأن يدخل فيما يدخل فيه الناس. وعندما استقر «يزيد» على كرسى الخلافة لم ينازعه فى الأمر، وأشفق على الحسين بن على حين خرج على يزيد، وحزن حزنًا شديدًا لما حاق به فى كربلاء، ولم يشارك هو أو على بن الحسين زين العابدين فى ثورة الحرة التى اندلعت بالمدينة المنورة ضد «يزيد».

لقد عاش «ابن عمر» بمعادلة حياة أساسها العطاء وليس الأخذ، وامتلك فلسفة تلخصها عبارة: «إنى لا أسأل أحدًا شيئًا وما رزقنى الله فلا أرده»، وقد قال هذه العبارة حين بعث إليه معاوية بمائة ألف لما أراد أن يبايع ليزيد، فأخذها وما حال عليه الحول وعنده منها شىء. عاش «عبدالله» حياته مقتديًا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصلى حيثما صلى، ويتلمس نسائم النبى العطرة فى كل اتجاه ذهب إليه، وحفظ من كلامه، صلى الله عليه وسلم، الكثير، فقد مات النبى وعمر عبدالله ٢٢ سنة، ما ساعده على رواية الكثير من الأحاديث، كما روى عن الصديق، وعن عمر، وعثمان، وسعد، وابن مسعود، وحفصة، وعائشة وغيرهم.

يقول «ابن كثير» فى «البداية والنهاية»: «أقام عبدالله بن عمر بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ستين سنة، فلم يخفَ عليه شىء من أمره ولا من أمر أصحابه، رضى الله عنهم، وقال مالك: بلغ ابن عمر ستًا وثمانين سنة، وأفتى فى الإسلام ستين سنة، تقدمت عليه وفود الناس من أقطار الأرض، قال الواقدى وجماعة: توفى ابن عمر سنة أربع وسبعين، وقال الزبير بن بكار وآخرون: توفى سنة ثلاث وسبعين، والأول أثبت، والله أعلم».

رضى الله عن عبدالله بن عمر الذى فهم حقيقة الحياة، وعاش فيها كأنه غريب أو عابر سبيل.