الفنان الدكتور سامي عبدالحليم ترك أثرًا عميقًا في الحركة الثقافية والفنية المصرية، بما يمتلكه من تجربة ثرية جمعت بين الإبداع والإدارة والرؤية الأكاديمية الواعية، فهو فنان من طراز خاص، كرّس سنوات عمره لخدمة الفن والثقافة، وأسهم في إعداد أجيال متعاقبة من الموهوبين والمبدعين الذين تتلمذوا على يديه، فكان بالنسبة لهم أستاذًا وقدوة قبل أن يكون مديرًا أو فنانًا.
وعلى امتداد مسيرته، ظل نموذجًا للمثقف الفنان الذي يجمع بين الانضباط الأكاديمي والرؤية الإبداعية، فاستحق مكانته الرفيعة في قلوب تلاميذه ومحبيه، باعتباره أحد الرموز التي أعطت للفن عمرًا وجهدًا ورسالة لا تزال ممتدة حتى اليوم.
سامي عبدالحليم له مساهمات نيرة بالعديد من جوانب صناعة العرض المسرحي
قال الناقد أحمد خميس الحكيم، إنه لا يمكن اختصار سامي عبدالحليم في موضوع واحد أو حكاية واحدة أو حتى ميزة واحدة، فللرجل مساهمات نيرة في العديد من جوانب صناعة العرض المسرحي، فقد ساهم كممثل في العديد من المسرحيات المؤثرة في تاريخ العرض المسرحي المصري الحديث مثل (درب عسكر، واللي بنى مصر، وزمن الطاعون، وحفلات التوقف عن الغناء، وقصة حب، والمحاكمة)، وجاءت معظمها بتوقيع المخرج الطليعي (طارق الدويري)، فمع طارق كان الاختبار صعبا للغاية ومن خلال أدوار مركبة تم تشكيلها بفلسفة تحتاج مهارات ادائية لا يحوزها الا الممثل المخضرم الواثق من أدواته الأدائية.
وأضاف الحكيم، أن د. سامي أسهم كأستاذ لمواد التمثيل في معهد المسرح سواء في القاهرة أو الاسكندرية في نبوغ العديد من الأسماء اللامعة، وفي هذا الاطار عادة ما يعتمد على تداخل الكثير من المناهج التي تربي ممثلا متطورا قادرا على تقديم الأنماط الأدائية المناسبة لطبيعة العرض المسرحي المزمع تقديمه، مشيرا إلى أنه كان مخرجا مسرحيا من طراز فريد لم يسعفه الحظ لتقديم عروض كثيرة، ولكن للحق كانت عروضه القليلة التي قدمها كمخرج مهمة للغاية بما تنطوي عليه من تفسير واع وقدرة فائقة على تكييف ضعف الإنتاج ليكون أحد أسباب التفوق والنبوغ، حيث اعتماده الأول على ممثل يعرف كيف يمسك بتلابيب الحكاية، ممثل مؤمن بأهمية النص ويشبعه بالكثير من التفاصيل الصغيرة المؤثرة في البناء.
وتابع: قد ساعدني الحظ أن أكون واحد من فريق الإخراج معه في أحد العروض في المعهد العالي للفنون المسرحية، حيث أوكلوا له تقديم أحد نصوص الكاتب الألماني (تانكريد دوريست) احتفالا بمروره على القاهرة ووقع اختياره على مسرحية (منحنى خطر)، وكانت البطولة للثلاثي (ماجد الكدواني وأيمن الشيوي وضياء عبدالخالق) وما أذكره أن الكاتب الألماني احتفى كثيرا في كلمته بعد العرض بالأداء المذهل وذكاء المخرج وقدراته الفائقة، وأعلن صراحة أن ذلك النص قدم عشرات المرات في العديد من البلدان الأوروبية لكنه المرة الأولى التي يقدم فيها بهذه الكفاءة الكبيرة.
سامي عبدالحليم كان أستاذًا استثنائيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى
قال المخرج محمد زكي، إن دكتور سامي عبدالحليم كان أستاذًا استثنائيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، على قدر التزامه الشديد وانضباطه غير العادي، كان حب الطلبة له أكبر من أي شيء، كان من النوع الذي لا يسمح بالتهاون داخل المحاضرة، والانضباط عنده كان أساسًا لا يمكن التنازل عنه، ومع ذلك كان الطلبة ينتظرون الدخول معه بشغف، وهذه معادلة نادرة جدًا؛ لأن المعتاد أن الطلاب لا يحبون الأستاذ شديد الالتزام، إلا أن دكتور سامي كان الاستثناء الحقيقي.
وأضاف زمي، أن د. سامي كان يشد على طلابه في المواعيد والالتزام والتفاصيل، لكنك في النهاية كنت تشعر أنك تريد حضوره أكثر، لأنك تعرف أنك ستخرج مستفيدًا فعلًا، وستتعلم شيئًا حقيقيًا، معقبا: أعتبره واحدًا من أهم الأساتذة الذين مرّوا في تاريخ المسرح، ومن حسن حظي أنني درست معه فصلين دراسيين متتاليين، وكانت بيننا علاقة إنسانية مميزة، كان دائمًا يحرص على تشجيعي، ويمنحني دفعة وثقة كبيرة بكلامه.
وتابع: علاقتي به بدأت حتى قبل الدراسة في المعهد، أتذكر أول لقاء جمعنا عندما دخلت المعهد، وتحدثنا وقتها عن بدايتي، وقلت له إنني كنت أدرس في كلية التجارة بجامعة عين شمس، وإن أول عرض مسرحي قدمته كان خلال فترة الجامعة، فابتسم وقال لي إنه سبق وذهب إلى هناك وكان عضوًا في لجان التحكيم، منذ تلك اللحظة شعرت بقربه الكبير من الطلاب واهتمامه الحقيقي بكل تجربة فنية شابة.
محظوظ إني تعلمت على يد سامي عبدالحليم وعرفت منه معنى الفنان الحقيقي الملتزم
قال الفنان ياسر الرافعي، إن دكتور سامي عبدالحليم كان يدرس ليّ مادة الإلقاء في المعهد، وكنت دايمًا أسمع عنه إنه شديد جدًا مع الطلبة، ولا يحب الهزار، ويعشق الالتزام، وفعلًا من أول محاضرة اكتشفت إنه دقيق بشكل مرعب، مركز في كل تفصيلة، وكل حاجة عنده محسوبة.
وأضاف الرافعي: أذكر مرة كانت المحاضرة الساعة 9 صباحا، وأنا وصلت متأخر خمس دقايق، داخل أجري لأني آتي من مدينة نصر، فتحت الباب لاقيته قاعد بهيبته المعتادة، بصلي وقال: "نعم؟"، قولتله: "أنا ياسر يا دكتور، مع حضرتك في المادة"، رد بهدوء: “أيوه عارف إنك ياسر.. نعم؟"، قولتله: "معلش اتأخرت خمس دقايق أصل…"، قاطعني وقال: "أصل إيه؟ لو عندك تصوير هتتأخر؟".
وتابع: وقتها أعطى ليّ درس كامل عن الالتزام، يمكن وقتها كنت متضايق، لكن مع الوقت فهمت قيمة كلامه، وأن الفنان الحقيقي لابد أن يحترم مواعيده وعمله قبل أي حاجة، لحد ما جه يوم وحضرلي مسرحية، وبعدها سمعت من زمايلي إنه كان بيذكرني كمثال في المحاضرات على الممثل الجيد، استغربت جدًا، وزاد احترامي له أكتر وأكتر، وفي يوم الامتحان قال جملة عمري ما هنساها: "استمتعوا عشان تعرفوا تمثلوا".
وأردف: دكتور سامي بالنسبة ليّ ليس مجرد أستاذ، بل نموذج للفنان المنضبط الحقيقي؛ المهتم بالتفاصيل، بمخارج الحروف، بالوقت، وباحترام المهنة، محظوظ إني تعلمت على يده وعرفت منه معنى الفنان الحقيقي الملتزم والمخلص لفنه.




