أخبار عاجلة

عندما تصبح السيادة خط الدفاع الأخير

عندما تصبح السيادة خط الدفاع الأخير
عندما تصبح السيادة خط الدفاع الأخير

في لحظات التوتر الكبرى لا تُقاس خطورة الأحداث بحجم الصواريخ التي تُطلق، ولا بعدد البيانات التي تصدر، وإنما بما تتركه من آثار عميقة على توازنات الإقليم ومستقبل العلاقات بين الدول.

وما تشهده منطقتنا اليوم من تصعيد متسارع لا يمكن النظر إليه باعتباره أزمة عابرة أو مواجهة محدودة يمكن احتواؤها بسهولة، بل هو مؤشر جديد على حجم التحولات التي تضرب الشرق الأوسط، وتعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وتعقيدًا.

وسط هذه التطورات، برزت حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن أمن الدول العربية وسيادتها لم يعدا شأنًا محليًا يخص كل دولة على حدة، وإنما أصبحا جزءًا من معادلة أمن إقليمي مترابطة؛ فأي انتهاك لسيادة دولة عربية، وأي اعتداء على أراضيها أو مجالها الجوي، لا تتوقف تداعياته عند حدودها السياسية، بل تمتد لتؤثر في مجمل الاستقرار الإقليمي.

لقد أثبتت التجارب أن الفوضى لا تعترف بالحدود، وأن الحرائق التي تبدأ في بقعة من المنطقة سرعان ما تمتد آثارها إلى الجميع. ومن هنا تأتي أهمية التمسك الصارم بمبدأ احترام سيادة الدول باعتباره حجر الزاوية في أي نظام إقليمي مستقر، والضمانة الحقيقية لحماية الشعوب من الانزلاق إلى دوائر الصراع المفتوح.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة في هذه المرحلة ليس فقط اتساع نطاق المواجهات، وإنما ترسيخ منطق تجاوز الحدود والقفز على قواعد القانون الدولي، لأن ذلك يعني ببساطة الانتقال من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة كسر قواعد اللعبة ذاتها، وهي مرحلة لا يخرج منها أحد منتصرًا.

ولعل ما يميز الموقف المصري في هذه اللحظة الدقيقة أنه ظل متمسكًا بثوابت راسخة لم تتغير رغم تغير الظروف والأزمات؛ ثوابت تقوم على احترام سيادة الدول، ورفض التدخل في شؤونها، والسعي الدائم إلى الحلول السياسية والدبلوماسية باعتبارها الطريق الأقل كلفة والأكثر استدامة لتحقيق الأمن والاستقرار.

فمصر تدرك بحكم التاريخ والجغرافيا والخبرة السياسية أن استقرار المنطقة لا يتحقق بتوسيع دوائر الصراع، وإنما ببناء مساحات مشتركة للحوار، وأن الأمن الحقيقي لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى على قواعد من التفاهم والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

وفي تقديري، فإن اللحظة الراهنة تفرض على الجميع ــ دولًا وقوى إقليمية ودولية ــ مراجعة الحسابات بعين أكثر عقلانية، لأن كلفة التصعيد أصبحت أكبر من قدرة المنطقة على الاحتمال، ولأن شعوب الشرق الأوسط دفعت عبر عقود طويلة أثمانًا باهظة من التنمية والاستقرار والأمن نتيجة صراعات لم تجلب سوى المزيد من الأزمات.

إن التاريخ يعلمنا أن الدول القوية ليست تلك التي تخوض أكبر عدد من المعارك، وإنما تلك التي تنجح في حماية مصالحها وصيانة أمنها وتجنب شعوبها ويلات الحروب. كما يعلمنا أن السلام العادل لا يولد من رحم الفوضى، وأن الاستقرار المستدام يبدأ من احترام السيادة الوطنية والالتزام بقواعد الشرعية الدولية.

وفي زمن تتشابك فيه الأزمات وتتداخل فيه المصالح، يبقى صوت العقل هو الخيار الأكثر مسؤولية، وتبقى الحكمة السياسية هي السلاح الأهم لحماية الأوطان وصون مستقبل الأجيال القادمة.

فالأمن العربي ليس شعارًا سياسيًا يُرفع وقت الأزمات، بل مسؤولية جماعية ومصير مشترك، وسيادة الدول ليست تفصيلًا قانونيًا يمكن تجاوزه، وإنما هي خط الدفاع الأخير عن استقرار المنطقة بأسرها.