أخبار عاجلة

صاحب السر.. وأبوه «اليمان»

صاحب السر.. وأبوه «اليمان»
صاحب السر.. وأبوه «اليمان»

 

ينتمى «اليمان»، واسمه حسيل بن جابر بن ربيعة، إلى قبيلة «عبس»، تلك القبيلة الشهيرة التى خرج منها أبو الفوارس «عنترة بن شداد»، وقد حدث أن قتل «اليمان» واحدًا من أفراد قبيلته التى كانت تعيش وسط الجزيرة العربية فى نجد والقصيم، وأصبح مستهدفًا من أهل القتيل بالثأر، ففر من قبيلته هاربًا إلى «يثرب»، وهناك حالف «بنى عبدالأشهل» وتزوج منهم سيدة اسمها «الرباب بنت كعب بن عدى بن كعب» ورزقه الله تعالى منها ولده «حذيفة».

كان الخوف يطارد «اليمان» من حين إلى آخر فيدفعه إلى التنقل والارتحال وعدم الثبات فى مكان، وقد حدث أن كان ذات مرة خارج المدينة المنورة، وتصادفت عودته إليها مع تدفق قوات الشرك لحرب النبى، صلى الله عليه وسلم، فى غزوة بدر، فوجئ «اليمان» وولده «حذيفة» حين أوشكا على دخول المدينة بمشركى مكة ينقضون عليهما، وحققوا معهما واتهموهما بأنهما من أتباع محمد، صلى الله عليه وسلم، ويريدان اللحاق به للانضمام إلى جيشه الذى ينوى حرب المكيين.

أكد الرجلان أنهما لا يريدان محمدًا، بل يريدان العودة إلى أهلهما فى المدينة، وأنهما ليسا على ملة الإسلام، وكانا صادقين فى ذلك، فحتى هذه اللحظة لم يكن «حذيفة» وأبوه قد دخلا تحت راية الإيمان.

حدث ذلك عندما عادا إلى المدينة وقابلا النبى وأسلما وأخبراه بما حدث لهما، وقالا للنبى، صلى الله عليه وسلم: إن شئت قاتلنا معك، فرد عليهما النبى الأعظم: بل نفى ونستعين بالله عليهم.

استقر حذيفة وأبوه بالمدينة بعد أن أسلما، وآخى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان. وينقل «ابن سعد» فى «طبقاته» قول عبدالله بن جعفر: «إن لم يكن حذيفة شهد بدرًا فإن إسلامه كان قديمًا».

لم يحضر «حذيفة» وأبوه معركة بدر، لكنهما عوّضا ذلك فى معركة «أحد»، وشارك معهما صفوان بن اليمان شقيق «حذيفة»، وقد شاء الله أن يستشهد الأب «اليمان» فى هذه المعركة، التى أبلى فيها «حذيفة» بلاء حسنًا، وقد شهد «الخندق» وما بعد ذلك من المشاهد مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وقد ائتمن النبى هذا الصحابى الجليل على أسماء المنافقين، حتى يتولى مراقبتهم، وإخبار النبى، صلى الله عليه وسلم، بتحركاتهم ضد الإسلام والمسلمين، وقد تزاحمت المدينة المنورة بالكثير منهم، وكان الوحيد الذى يعلم سرهم هو «حذيفة».

مات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو راضٍ عن حذيفة بن اليمان وأبيه وأخيه، وفى عهد عمر بن الخطاب قرر أن يوليه على «المدائن» ببلاد فارس. 

يحكى صاحب كتاب «صفة الصفوة» أن عمر بن الخطاب كان إذا بعث أميرًا كتب إلى الناس: إنى قد بعثت إليكم فلانًا وأمرته بكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا، فلما بعث حذيفة إلى المدائن كتب إليهم: قد بعثت إليكم فلانًا فأطيعوه. وقد وقف الناس ينتظرون وصول «حذيفة» على مشارف المدائن، فلمحوا رجلًا يمتطى ظهر حمار، سادلًا رجليه عليه من جانب واحد، فى يمينه رغيف خبز وقطعة لحم، وهو يأكل.

لم يتصور الجمع أن هذا الرجل هو الأمير، فتركوه يمضى، ثم لقوا أناسًا فسألوهم: أين الأمير؟ فقالوا: هو الذى لقيتم، يقصدون «حذيفة» الذى عبر أمامهم منذ دقائق.

عاش «حذيفة» متواضعًا لا يريد من الدنيا شيئًا، يخشى الله تعالى فى كل صغيرة وكبيرة. كان الناس يسألون النبى عن الخير وهو يسأله عن الشر مخافة أن يدركه، وكان يقول: «إن الفتنة تُعرَض على القلوب، فأى قلب أنس بها نكتت فيه نكتة سوداء، فإن أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، فمن أحب أن يعلم أصابته الفتنة أم لا فلينظر، فإن كان يرى حرامًا كان يراه حلالًا، أو يرى حلالًا كان يراه حرامًا فقد أصابته الفتنة».

وقد شاء الله تعالى أن يمد فى عمر الصحابى الجليل حتى عاصر الفتنة التى شهدتها الأمة فى عصر عثمان بن عفان سنة ٣٥ هجرية، كانت الأعين تنظر إلى «حذيفة» وتريد أن تعرف ماذا سيكون موقفه، سأله الناس فنظر إلى السماء وقال: «اللهم إن كان قتل عثمان خيرًا فليس لى منه نصيب، وإن كان قتله شرًا فإنى منه برىء، والله لئن كان قتله خيرًا ليحلبنها لبنًا، ولئن كان قتله شرًا ليمتصن بها دمًا». 

كان اعتزال المشهد هو الموقف الأكثر أمنًا لصاحب السر الذى أطلعه النبى، صلى الله عليه وسلم، على أسماء المنافقين، فقد كان يعلم أن هذا النفر من صحابة النبى، والذى وقف فى مواجهة بعضه البعض، كلهم من الأفاضل الأكرمين، وربما تساءل الرجل حينها: ضد مَن أقف.. ومع مَن أقف؟ وكان من الطبيعى أن يسكت لسانه عن الإجابة وأن يعتزل الفتنة.

شاء الله أن يستشهد عثمان بن عفان عام ٣٥ هجرية، وبعد هذا الحدث الجلل بعام، أى فى سنة ٣٦ هجرية، مات الصحابى الجليل حذيفة بن اليمان. يقول «ابن سعد» صاحب «الطبقات»: «وتوفى حذيفة بالمدائن سنة ست وثلاثين، وقد كان جاءه نعى عثمان بها، وكان قد نزل الكوفة والمدائن».

رضى الله عن الصحابى الجليل حذيفة بن اليمان.