أكدت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، أن الاتفاق الأمريكي لوقف إطلاق النار مع إيران يضع رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام مأزق سياسي وأمني معقد، إذ أطاح بما يمكن اعتباره الركائز الأساسية التي قامت عليها مسيرته السياسية، وتركه في مواجهة معادلة جديدة تُضعف موقعه الداخلي والخارجي في آن واحد.
وتابعت أن تهميش نتنياهو كان صادم حيث قدم نفسه لسنوات باعتباره صاحب النفوذ الأقرب في دوائر القرار بواشنطن، وكيف انتهى به الأمر إلى مواجهة اتفاق تُبرمه الولايات المتحدة مع خصمه الإيراني دون أن يكون لإسرائيل دور حاسم فيه، وهو ما اعتبره محللون ضربة مباشرة لصورته السياسية.
حرب بدون نتائج حاسمة
كما يثير الاتفاق إشكالية أكبر تتعلق باستراتيجية نتنياهو التي جعلت من مواجهة إيران محور السياسة الأمنية الإسرائيلية، حيث انتهت الحرب مع طهران دون تحقيق نتائج حاسمة، بل في ظل مؤشرات على تعزيز موقع إيران الإقليمي.
وتتعمق الأزمة مع مطالبة واشنطن وطهران بوقف الانتهاكات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وهو ما يضع نتنياهو أمام ضغوط داخلية متزايدة قبل أشهر من انتخابات عامة حاسمة في إسرائيل.
وصف زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد الخيارات أمام نتنياهو بأنها إما مواجهة مباشرة ومدمرة مع أهم حليف لإسرائيل أو استسلام كامل للمصالح الإسرائيلية، في إشارة إلى الانقسام السياسي الحاد داخل المؤسسة الإسرائيلية.
وفي سياق متصل، أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي انتقد فيها قرار نتنياهو تنفيذ ضربة في بيروت موجة من الجدل داخل إسرائيل، حيث استغلتها المعارضة ووسائل الإعلام في إطار الاستعداد للانتخابات المقبلة.
لكن الضغوط لا تأتي من الخارج فقط، إذ أبدى مسؤولون داخل حزب الليكود الحاكم وأعضاء في اليمين المتشدد تحفظات واضحة على بنود الاتفاق، خصوصًا ما يتعلق بمطالبة طهران بأن يشمل وقف إطلاق النار جميع الجبهات بما فيها لبنان.
بينما أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير رفضه للاتفاق قائلًا إن إسرائيل ليست طرفًا فيه ولا يمكنها القبول به لأنه لا يضمن أمنها، مؤكدًا أن تل أبيب ستواصل الدفاع عن نفسها وفق تقديره.
ومن جهته، قال عضو الكنيست عن الليكود أرييل كلنر إن إسرائيل ستفعل ما تراه ضروريًا لحماية أمنها، مع الإشارة إلى استمرار وجود خلافات مع الحلفاء، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني التخلي عن المصالح الأمنية.
وفي خضم هذه الانتقادات، دافع نتنياهو عن نفسه خلال مؤتمر صحفي في القدس المحتلة، مؤكدًا أنه كرس جزءًا كبيرًا من حياته لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وأن هذا الهدف لا يخضع لأي قيود سياسية أو تفاوضية.
وأضاف أن إسرائيل ستواصل التحرك وفق ما تراه ضروريًا، مع الإبقاء على حرية التحرك العسكري إذا تعرضت لأي تهديد، مشيرًا في الوقت نفسه إلى وجود تباين في وجهات النظر مع الإدارة الأمريكية رغم استمرار التنسيق.
تحديات استراتيجية لنتنياهو
وعلى الصعيد الاستراتيجي، يواجه نتنياهو تحديات متزايدة تتعلق بنتائج الحرب على غزة التي اندلعت عقب هجوم السابع من أكتوبر 2023، حيث لا تزال حركة حماس تسيطر على أجزاء من القطاع رغم العمليات العسكرية الواسعة التي أودت بحياة عشرات الآلاف وفق بيانات صادرة عن مصادر فلسطينية.
كما أدى النهج الأمني الإسرائيلي الجديد إلى توسيع نطاق الوجود العسكري في غزة ولبنان وسوريا، وهو ما يحظى بدعم داخلي لدى قطاعات من الإسرائيليين، لكنه في المقابل يفرض أعباء كبيرة على جيش الاحتلال ويستنزف قدرات الاحتياط دون وجود أفق دبلوماسي واضح لإنهاء النزاعات.




