أخبار عاجلة

خيانة الوطن

خيانة الوطن
خيانة الوطن

مع اقتراب ذكرى ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣، لا تستعيد الذاكرة المصرية مجرد تاريخ عابر، بل تستحضر لحظة فارقة فى عمر الأمة، حيث انتفض الشعب المصرى لاسترداد هويته وحماية وجوده من مشروع تمكين إخوانى استهدف الدولة المصرية فى جوهرها. 

إن الحديث عن جرائم جماعة الإخوان ليس نكأ للجراح فحسب، بل توثيق لمرحلة كادت تعصف بمستقبل مصر، وتذكير بالأثمان الباهظة التى دفعها المصريون ثمنًا لمحاولة اختطاف وطنهم، ولم يكن وصول جماعة الإخوان إلى سدة الحكم فى غفلة من الزمن فى مصر مجرد وصول طبيعى للسلطة، بل كان بهدف التمكين، منذ اللحظة الأولى أدرك المصريون أن الجماعة لا ترى فى الدولة مؤسسات وطنية يجب الحفاظ عليها وتطويرها، بل رأت فيها غنيمة يجب السيطرة عليها وتفريغها من كفاءاتها الوطنية، وتمثلت الجريمة الكبرى فى أخونة الدولة، حيث بدأ التغلغل الممنهج فى مفاصل السلطة، من القضاء والشرطة والإعلام إلى الوزارات والهيئات السيادية، كان الهدف واضحًا وهو تحويل الدولة إلى دولة موازية تخدم أجندة التنظيم الدولى للإخوان، ما أدى إلى حالة من الانهيار المؤسسى والشلل الإدارى الذى دفع البلاد نحو الهاوية.

ومن أخطر ما اقترفته الجماعة فى حق المصريين تمزيق النسيج الوطنى، واعتمدت الخطاب الإقصائى الذى قسم المجتمع إلى مؤمن وكافر، لم يعد الاختلاف فى الرأى حقًا ديمقراطيًا، بل أصبح تهمة تستوجب التخوين والتحريض، لقد رأى المصريون كيف تمت محاصرة المحكمة الدستورية العليا، ومدينة الإنتاج الإعلامى، وكيف تم استهداف الرموز الوطنية والثقافية التى رفضت صكوك الغفران التى توزعها الجماعة، هذا الخطاب التحريضى لم يكن كلامًا عابرًا، بل مهد الأرض لانتشار الكراهية والعنف فى الشارع المصرى، ما دفع البلاد إلى حرب أهلية كادت تلتهم الأخضر واليابس، وقامت الجماعة بأعمال قتل وعنف وترويع لجميع المصريين، ولم تكتف الجماعة بالصراعات السياسية، بل تركت الاقتصاد يعانى من تدهور غير مسبوق. فى ظل غياب الرؤية والخبرة، وتقديم الولاء التنظيمى على الكفاءة المهنية، وشهدت البلاد نقصًا حادًا فى الوقود، وانقطاعًَا متكررًا للكهرباء، وارتفاعًا جنونيًا فى الأسعار، كان المواطن المصرى يقضى يومه فى طوابير الذل للحصول على أبسط مقومات الحياة، بينما كانت قيادات الجماعة تروج لوعود كاذبة براقة بزعم النهضة التى لم تكن سوى سراب.

وأمنيًا، شهدت هذه الفترة تصاعدًا ملحوظًا فى نشاط الجماعات المتطرفة، خاصة فى سيناء، بالتزامن مع حالة من الارتخاء الأمنى فى الداخل، وعاش المواطن عدم الأمان، والاعتداءات على المتظاهرين السلميين أمام قصر الاتحادية، وكانت إشارات واضحة بأن الجماعة مستعدة للتضحية بأمن المواطنين من أجل الحفاظ على بقائها فى السلطة، ولم يكن أمام الشعب المصرى خيار سوى النزول إلى الشوارع والميادين، ولم تكن ٣٠ يونيو مجرد احتجاج عابر، بل كانت انفجارًا شعبيًا لإرادة وطنية، رفضت الانكسار. لقد أدرك المصريون بفطرتهم السليمة أن بقاء الجماعة يعنى ضياع الهوية المصرية، وفقدان الدولة سيادتها.

إن ٣٠ يونيو تظل ملحمة فارقة، لأنها أثبتت أن الشعب المصرى هو الحارس الحقيقى لوطنه، حينما تخلت المؤسسات عن دورها أو تم اختطافها، حمل المواطنون أمانة حماية الدولة، لقد كانت خروجًا سلميًا حضاريًا، أذهل العالم، وأكد أن إرادة الشعوب حين تتوحد، لا يمكن لأى تنظيم مهما بلغت قوته أن يقف أمامها.

نحن نتذكر تلك المرحلة لكى لا ننسى، التذكير بجرائم الإخوان ضرورى لاستخلاص الدروس. ومن أبرزها ضرورة الوعى بخطورة الخلط بين الدين والسياسة، أو استغلال العاطفة الدينية للوصول إلى مكاسب سياسية، ما يعد أقصر الطرق لهدم الدولة، كما أن مؤسسات الدولة مثل الجيش والشرطة، والقضاء والإعلام هى جدار الحماية الأخير، وأى محاولة لهدمها هى تهديد مباشر لأمن كل مواطن. 

كما أن قوة مصر تكمن فى تماسك نسيجها الاجتماعى، وأى محاولات للفرقة هى خيانة للأمانة الوطنية.

وفى ذكرى ٣٠ يونيو، يجب أن نقف وقفة تأمل، لقد نجحت مصر فى تجاوز تلك المحنة بفضل تلاحم جيشها وشعبها، واليوم ونحن نبنى الجمهورية الجديدة، يظل استحضار تلك الحقبة بوصلة لنا لكى لا تتكرر الأخطاء، ولكى يظل الوطن دائمًا فوق الجميع. 

إن جرائم الإخوان فى عام حكمهم لم تكن مجرد أخطاء إدارية، بل كانت خطيئة وطنية كشفت عن الوجه الحقيقى لمشروع لا يعرف سوى الإقصاء والتمكين، ولكن كما أثبت التاريخ تظل مصر دائمًا أقوى من محاولات اختطافها، ويبقى شعبها هو صمام الأمان الذى لا يلين ولا ينكسر أمام أى تهديد لوجوده.

وللحديث بقية