أخبار عاجلة

الثلاثون من يونيو.. من الفوضى إلى الجمهورية الجديدة

الثلاثون من يونيو.. من الفوضى إلى الجمهورية الجديدة
الثلاثون من يونيو.. من الفوضى إلى الجمهورية الجديدة

رغم السنوات، فإننا مازلنا نستعيد لحظة ثورة الثلاثين من يونيو في ذكراها الثالثة عشرة، بكل ما فيها من عبرة ومثال.. فالتاريخ ـ حتى لو كان قريبًا ـ يعطينا الدرس، وتستوقفنا مشاهده التي لا ينبغي أن ننساها.. لقد كانت ثورة يونيو لحظة تغيير، مدفوعة برغبة صادقة في استعادة مصر.. وككل لحظات التاريخ، ستظل دائمًا محل الفحص والدرس، وسيكون عنوانها دائمًا دفاعًا عن الهوية المصرية وإنقاذًا لها من براثن مخطط الدولة الدينية.. الدولة الي قالت وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق، هيلاري كلينتون، في مذكراتها، إن واشنطن كانت ستعترف بدولة إسلامية في مصر، مقابل التنازل عن سيناء.. وقد تناولت المذكرات، التي جاءت بعنوان (مذكرات هيلاري كلينتون)، دور القوات المسلحة المصرية الباسلة، في إفساد مخطط الإخوان بالتعاون مع الإدارة الأمريكية، برئاسة باراك أوباما، الولايات المتحدة وقتئذ، لإعلان دولة إسلامية في مصر، مقابل التنازل عن سيناء.. واعترفت هيلاري، أنه بقيام ثورة الثلاثين من يونيو، انقلبت الطاولة في اثنتين وسبعين ساعة، بعد أن كان الاتفاق مع الإخوان في مصر على إعلان الدولة الإسلامية في سيناء وجعلها وطنًا لحماس، وانضمام حلايب وشلاتين إلى السودان، وفتح الحدود مع ليبيا من ناحية السلوم.، وجاء في المذكرات أيضًا، أنهم فكروا في استخدام القوة، بإرسال أسطول نحو مصر لدعم الإخوان مقابل تنفيذ الاتفاق المبرم، لكن، (تم رصدنا من قبل سرب غواصات حديثة جدًا، وهي مجهزة بأحدث الأسلحة والرصد والتتبع.. وعندما حاولنا الاقتراب من قبالة البحر الأحمرـ فوجئنا بسرب طائرات فوقنا)، أو هكذا قيل.
كان عامًا عصيبًا عاشه المصريون تحت حكم جماعة الإخوان.. فمنذ تولى محمد مرسى رئاسة الجمهورية في الثلاثين من يونيو 2012، تصدرت الأزمات والمشاكل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر، وتهددت هوية المصريين الحضارية، مما دفع الشعب إلى الخروج بالملايين، في مظاهرات حاشدة بجميع المحافظات، تطالب بعزله هو وجماعته من الحكم.. كانت جميع الظروف مهيأة للتغيير، بعد أن تسيد الإخوان مصر واستباحوها.. فهذه البلاد لا تستسلم للحكم الديني الذي كان يكرس وقتها وفق خطة الخمسمائة عام، عندما بدأ سيناريو التمكين من قِبل الجماعة لكي تبني دولة جديدة في الظلام، بمعايير طيورها الذين برع السيناريست الراحل، وحيد حامد، في وصفهم، سواء في أفلامه أو كتاباته، بأنهم (طيور الظلام).. وكان درعًا مع كثير من المثقفين الذين خشوا أن تضيع مصر وتتحول إلى دولة دينية، تخاصم ماضيها وحاضرها، وتلون مستقبلها بسواد الرؤية وانغلاق الأفق وكراهية الحياة!.. ولم يكن أمام مصر سوى إزاحتهم، استجابة للشعب والملايين التي نزلت للشوارع، لكي تقول لا لتلك الجماعة، وتنتصر لمفاهيم الدولة المدنية، وترفض استمرارهم في أن يحكموها على هوى المرشد، الذي كان وجماعته، عصًا غليظة في يد من أراد أن يضرب مصر.. لكن هيهات.
*
في سياق التحولات السياسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط عقب ما اسموه بـ (الربيع العربي)، أصبحت جماعة الإخوان تمثل أحد اللاعبين الرئيسيين الذين يمكن استغلالهم لتحقيق مصالح استراتيجية، ليس فقط على المستوى المحلي في بعض الدول العربية، بل أيضًا على مستوى القوى الكبرى التي تسعى لتحقيق أجندات سياسية خاصة بها.. الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تعدان من أبرز هذه القوى، التي قد تجد في تحركات الإخوان فرصة ذهبية لتحقيق أهدافهما، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجهها هذه الجماعة بعد الهزائم السياسية في عدة دول عربية.. في سوريا، على سبيل المثال، شكلت جماعة الإخوان جزءًا من تحالف المعارضة الذي سعى للإطاحة بنظام بشار الأسد. ومع مرور الوقت، تبين أن هذا التحالف، في سعيه للانتصار على النظام السوري، وقع في فخ الطاعة العمياء للمصالح الأمريكية والإسرائيلية.. الصمت المطبق الذي أبدته الجماعة تجاه الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية، وصولًا إلى القنيطرة ومشارف دمشق، يعكس تلك الحالة من الامتثال.. بل إن التصريحات التي صدرت من بعض قيادات الإخوان في سوريا، التي تؤكد على عدم معاداة إسرائيل ومد يد السلام معها، تمثل دليلا إضافيًا على هذا الولاء غير المباشر لمشروع إسرائيل الكبرى في المنطقة، كما يقول الكاتب كامل المعمري.. وتعكس هذه السياسة أيضًا الاستغلال المكثف من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل لعواطف جماعة الإخوان، التي تعرضت لثورات مضادة في مصر وليبيا واليمن.
إن الهزائم التي مُنيت بها هذه الجماعة من خلال تلك الثورات عليها، أدت إلى تكوين رغبة في العودة القوية إلى السلطة، مما جعلهم أكثر استعدادًا للقبول بأي دعم خارجي يُمكن أن يعيدهم إلى مواقعهم السابقة.. وتستغل أمريكا وإسرائيل هذه الطاقة المفعمة بالانتقام والحقد لتوظيفها في مشروعات تتناسب مع أجنداتهما.. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل ما حققته هذه الجماعة من انتصار في سوريا، وهو ما يعيد تساؤلاتنا إلى أن القوى الغربية لم تمانع في استخدامها كأداة لتحقيق مصالحها.. فالتصريحات التي تُسمع من قادة الإخوان حول إسرائيل، وكأنها تُبدي استعدادًا للقبول بالتعاون معها، هي بمثابة رسالة من هذه الجماعة مفادها، أن الخطر الأكبر بالنسبة لها ليس هو الاحتلال الإسرائيلي، بل تلك القوى الداخلية التي قد تحرمها من العودة إلى السلطة، وكذلك اعداء أمريكا، من المؤكد أن هذا التعاون المريب مع إسرائيل ليس عرضيًا، بل هو جزء من مخطط كبير تشترك فيه قوى إقليمية ودولية تسعى لتغيير خريطة المنطقة.
فالرهانات التي تضعها الولايات المتحدة على جماعة الإخوان في الوقت الحالي ليست مجرد محاولات لدعم جماعة دينية فحسب، بل هي جزء من لعبة طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية.. لذلك، فان الجيش المصري، الذي كان وما زال يشكل الحاجز الأخير في وجه هذا المشروع، ويمثل عقبة أساسية لا بد من تجاوزها.. بالنسبة فإن الرهانات الأمريكية والإسرائيلية على عودة الإخوان إلى السلطة في الدول العربية، لا سيما في مصر، تأتي في إطار استراتيجي طويل الأمد، يستهدف تأمين الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.. وفي ضوء هذه المعطيات، فإن كل خطوة تخطوها جماعة الإخوان في سبيل استعادة قوتها السياسية في المنطقة، تصبح جزءًا من اللعبة الكبرى التي تسعى من خلالها القوى الغربية وإسرائيل لإعادة ترتيب المنطقة، بما يخدم مصالحهم.
الوضع الحالي في سوريا، بما يتضمنه من تحالفات غير مُعلنة مع القوى الغربية وإسرائيل، يقدم نموذجًا لما يمكن أن تؤول إليه الأمور، في حال تم تمكين جماعة الإخوان مجددًا من السلطة في أماكن أخرى.. علاوة على ذلك، فان التصريحات التي تتناغم مع أهداف إسرائيل، والرضا الذي أبدته الجماعة تجاه التوسع الإسرائيلي في الأراضي السورية، يبرهن على أن الإخوان، في بعض مراحل تاريخهم الحديث، لا يتورعون عن تسهيل المخططات الإسرائيلية، بل ربما يتعاونون معها بشكل أو بآخر، خدمةً لأجنداتهم الخاصة.
وفي ضوء التطورات المتسارعة في المنطقة، تتكشف الصورة أكثر حول المخططات التي تحاك ضد مصر، القوة العربية الأكبر التي ظلّت، رغم التحديات الداخلية والخارجية، صامدة في وجه الهيمنة الغربية والإسرائيلية.. وليس خافيًا أن هناك مؤامرات متعددة الأوجه يتم نسجها حول هذا البلد الكبير، بهدف تقويض استقراره، وتفكيك قوته العسكرية التي تشكل حجر الزاوية في معادلة الأمن العربي.. وإذا كانت الأحداث في سوريا قد كشفت عن مدى استعداد جماعة الإخوان للتعاون مع القوى الخارجية، فإن ما يحدث في ليبيا قد يكون نقطة الانطلاق الأبرز في المخطط الكبير، الرامي إلى زعزعة استقرار مصر والمنطقة بشكل عام.. إن دعم جماعة الإخوان في ليبيا وتمكينها من تصعيد نفوذها هناك، من خلال محاولات إزالة قوات المشير خليفة حفتر، قد يمثل بداية مرحلة جديدة وخطيرة في السياسة الإقليمية.. هذه الخطوة لا تقتصر على تغيير التوازن العسكري في ليبيا فقط، بل تعدُّ تحضيرًا لمشروع أوسع، يتمثل في تحويل ليبيا إلى قاعدة لتفعيل تأثير جماعة الإخوان في شمال إفريقيا والعالم العربي.. ففي حال تمكنت هذه الجماعة من تصفية المعارضة في ليبيا، وخصوصًا في ظل التوترات الحالية بين مختلف القوى العسكرية والسياسية هناك، فإن ذلك سيسهم في تمكينها من استعادة النفوذ في دول أخرى، لاسيما في مصر.. ومن المعروف أن مصر تحتفظ بموقعها الاستراتيجي في مواجهة العديد من التحديات، ولعل الجيش المصري، الذي يعد آخر حصن عربي ضد المخططات الغربية والإسرائيلية، هو العقبة الكبرى أمام القوى الساعية للهيمنة على المنطقة.. ومن هنا، فإن تمكين الإخوان في ليبيا يمثل جزءًا من السيناريو الذي قد يهدف إلى إضعاف الجبهة المصرية، سواء من خلال تهديد الحدود الغربية لمصر، أو عبر استنزاف الموارد والقدرات العسكرية العربية في منطقة شمال إفريقيا.
المؤامرة التي تحاك حول مصر لا تقتصر على ليبيا فقط، بل تمتد إلى تجميع القوى المعادية للمصالح المصرية في عدة نقاط في المنطقة، وتوظيف هذه الجماعات في الدول القريبة من مصر، بل وربما داخل مصر نفسها، لإضعاف تماسك الدولة المصرية.. وتُظهر الوقائع، أن الولايات المتحدة، التي عانت من صعوبة التأثير المباشر على مصر بعد ثورة الثلاثين من يونيو، قد تجد في ليبيا، باعتبارها نقطة انطلاق أساسية، الفرصة لتقويض هذا الاستقرار المصري، من خلال دعم جماعة الإخوان، التي تسعى جاهدة للعودة إلى المشهد السياسي في المنطقة عبر أي وسيلة.. وإذا ما تمكّن الإخوان من فرض سيطرتهم على ليبيا، ستنتقل التحديات إلى مصر بشكل أكبر، حيث ستجد هذه الجماعة نفسها في موقع قوي لتهديد استقرار الدولة المصرية.. فالجيش المصري، الذي ظل لسنوات طويلة الركيزة الأساسية للأمن العربي، سيكون مهددًا، ليس فقط من الداخل عبر جماعات متطرفة، بل أيضًا من الخارج عبر تحالفات جديدة مع القوى المعادية لمصالح مصر في المنطقة.
*
يقولون، إن في تاريخ الدول لحظات فارقة، تعيد تشكيل المسار وتحديد ملامح المستقبل.. وقد كانت ثورة الثلاثين من يونيو بالنسبة لتاريخ مصر الحديث إحدى هذه اللحظات، إذ كانت تعبيرًا صادقًا عن إرادة أمة رفضت الانحدار نحو المجهول، ونهضت لتستعيد هويتها وبناء غدٍ أفضل.. كانت طريق مصر نحو الجمهورية الجديدة، وبناء الدولة الحديثة.. فلماذا كانت هذه الثورة ضرورة تاريخية؟.
لأنها جاءت استجابة طبيعية وضرورية لمرحلة حرجة، شهدت فيها مصر تدهورًا متسارعًا على كافة الأصعدة.. فبعد عام من الحكم الذي لم يلبي طموحات الشعب المصري، وأثّر سلبًا على الاقتصاد والأمن والاستقرار، شعر المصريون بأن هويتهم الوطنية ومستقبل وطنهم في خطر، فكانت الثورة قامت ضد تيار منحرف، يهدد بتقويض أسس الدولة المصرية المدنية الحديثة، وضياع تاريخها وهدم حضارتها.. جاءت نقطة التحول التي دَوَّنها المصريون في سجلات الكرامة والعزة والشرف، عندما سطروا بأحرف من نور في كتب التاريخ، أنهم شعب لا يعرف المستحيل، ولذلك، وصفها الخبراء الاستراتيجيون بأنها (ثورة الإنقاذ)، لأنها رسمت مسارًا جديدًا للعمل الوطني المصري الخالص، لتنطلق مسيرة البناء والتنمية الحديثة على كافة الأصعدة والمستويات، استنادًا إلى دعائم قوية وأسس متينة، تتمثل في حالة التلاحم الشعبي والاصطفاف الوطني خلف القيادة المصرية لمجابهة كافة التحديات.
وكعهدنا بها دائمًا، أدت القوات المسلحة المصرية ما عليها من واجب أقسمت على رعايته، وهو حمايتها للشعب المصري في الداخل والخارج.. استجابت لمطالب الشعب بتنحية الفصيل الإرهابي عن حكم البلاد والعباد، فحمت إرادة المصريين ودعمت متطلباتهم في مستقبل آمن ومستقر ومزدهر، ونجحت في إعادة الوحدة الوطنية بين المصريين، بعد محاولات يائسة من قبل الجماعة الإرهابية لخلق مجتمع قائم على الاستقطاب والفرقة.. ولم يقف الأمر عند حماية القوات المسلحة لإرادة الشعب المصري في الثلاثين من يونيو، بل قامت بتأمين الفترة الانتقالية التي أعقبت هذه الثورة.. وقد كانت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي ـ وزير الدفاع وقتها ـ المصريين، بمنحه تفويضًا لمكافحة الإرهاب، خطوة مهمة تعكس وعي ورؤية قواتنا المسلحة للمشهد آنذاك.
لقد حققت ثورة الثلاثين من يونيو المجيدة أهدافها، وآتت ثمارها المرجوة.. إبعاد الجماعة المتطرفة عن حكم الدولة المصرية، وعن التدخل في سياساتها الخارجية أو مؤسساتها الداخلية.. جعلت من التلاحم والتماسك القوي بين مؤسسات الدولة والشعب واقعًا، وأصبح الشعب والجيش والشرطة يدًا واحدة.. أجهضت تلك الثورة مخطط الجماعة الإرهابية في منح أجزاء من أرض مصر المحروسة لأطراف أخرى، وبقيت أرض مصر متماسكةً أًبِيَّةً مستعصية على أي خائن.. استطاعت مصر بعدها، أن تتبوأ مكانتها الإقليمية والدولية المناسبة والملائمة لها، وهو ما ظهر جليًا في الأحداث الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.. كما أتاحت الفرصة للدولة المصرية للانطلاق نحو تحقيق الأمن والاستقرار الداخلي، بالإضافة للتنمية والعمران.. وبعد نجاحها الباهر، سارت الدولة المصرية في مسارات عديدة لتحقيق التنمية والريادة.
تمثَّل المسار الأمني، في مكافحة الإرهاب والقضاء على الجماعات المتطرفة، وحفظ الأمن والاستقرار في ربوع البلاد، فضلًا عن العمل على تحديث القوات المسلحة المصرية ومنظومات التسليح المختلفة، دون إغفال كافة الاتجاهات الاستراتيجية للدولة من أي أعمال أو عدائيات، في ظل ظروف أمنية صعبة تحيط بالوطن خصوصًا في دول الجوار المباشر.. وعلى المسار التنموي، شهدت الدولة طفرة عمرانية وتنموية غير مسبوقة في تاريخها، في جميع القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، والاهتمام بالبنية التحتية لجذب الاستثمارات الخارجية وتقوية الاقتصاد الوطني، والتوسع في إنشاء المدن الجديدة لخفض الكثافة السكانية الحالية، واستصلاح الأراضي الزراعية، لزيادة الناتج المحلي وتحقيق أعلى معدلات الاكتفاء الذاتي.
وعمدت إلى بناء الانسان، عن طريق الاهتمام بالصحة والتعليم، إدراكًا بأن التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان.. ولهذا، أولت الجمهورية الجديدة اهتمامًا كبيرًا بقطاعي التعليم والصحة، حيث شهدت المدارس والجامعات تطويرًا ملموسًا في المناهج والمنشآت، مع التركيز على التعليم الفني والتدريب المهني.. وفي قطاع الصحة، توسعت مظلة التأمين الصحي الشامل، وشُيدت مستشفيات جديدة، وتم إطلاق مبادرات رئاسية للقضاء على الأمراض المزمنة، مما يعكس حرص الدولة على مواطنيها، ومن أبرز هذه المبادرات: مبادرة ١٠٠ مليون صحة للكشف المبكر عن الأمراض السارية، فضلًا عن مبادرة الكشف عن فيروس سي، والتي حققت نجاحًا منقطع النظير.. ويتضح من خلال ذلك، أن الدولة المصرية وضعت صحة المواطن ركيزة رئيسة للأمن الوطني.. ثم شرعت الدولة المصرية في تنفيذ مشروع (حياة كريمة)، للنهوض بمستوى الحياة في القرى الأكثر احتياجًا، بهدف تنمية وتطوير الريف المصري.
*
إذًا، لا تبدو ثورة الثلاثين من يونيو مجرد محطة سياسية عابرة في التاريخ المصري الحديث، بل هي لحظة فارقة أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع من جهة، وبين السياسة والأيديولوجيا من جهة أخرى.. فبعد سنوات من الاضطراب التي أعقبت ما حدث في يناير 2011، جاءت الحشود الشعبية في الثلاثين من يونيو عام 2013، لتعبر عن رفضها لمسار سياسي، اعتبرته قطاعات واسعة من المصريين مهددًا لفكرة الدولة الوطنية ومؤسساتها، ولتُنهي مرحلة هيمنت عليها جماعة الإخوان، بوصفها القوة السياسية الأكثر تنظيمًا وقدرة على الحشد في ذلك الوقت.
ومع مرور أكثر من ثلاثة عشر عامًا على تلك الأحداث، تبدو أهمية ثورة يونيو أبعد من مجرد إسقاط حكم جماعة أو تغيير معادلة سياسية.. فالنتيجة الأهم التي أفرزتها هذه الثورة تمثلت في إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية، بوصفها الإطار الجامع للمجتمع، في مواجهة مشاريع أيديولوجية وتنظيمية، كانت ترى نفسها فوق الدولة أو بديلًا عنها.. ومن هنا، اكتسبت المواجهة مع جماعة الإخوان أبعادًا تتجاوز الصراع السياسي التقليدي، لتصبح جزءًا من معركة أوسع تتعلق بطبيعة الدولة وهويتها ومستقبلها.
لقد حققت ثورة الثلاثين من يونيو، وما تبعها من إجراءات سياسية وأمنية وتشريعية، نجاحات واضحة في تقليص القدرات التنظيمية للجماعة وإضعاف شبكاتها داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، كما ساهمت في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التنظيمات الإرهابية التي نشطت خلال السنوات اللاحقة، سواء في سيناء أو في مناطق أخرى، حيث شهدت مصر واحدة من أكثر المواجهات شراسة مع الجماعات المتطرفة المسلحة، أسفرت عن تراجع ملحوظ في حجم العمليات الإرهابية، مقارنة بما كانت عليه الأوضاع خلال السنوات التي أعقبت 2013.
لكن الإنجاز الأهم ربما لم يكن أمنيًا فقط، بل تمثل في استعادة المجتمع لقدرته على التمييز بين الدين بوصفه مكونًا روحيًا وحضاريًا جامعًا، وبين توظيفه كأداة للصراع السياسي أو كوسيلة لاحتكار الحقيقة وإقصاء الآخرين.. فقد كشفت تجربة الحكم التي سبقت الثلاثين من يونيو حدود الشعارات الأيديولوجية عندما تصطدم بمتطلبات إدارة الدولة وتعقيدات الواقع، وأظهرت أنّ الشرعيّة السياسية لا يمكن أنّ تستند إلى الخطاب الديني أو التنظيم المُغلق، بقدر ما تستند إلى الكفاءة والقدرة على تحقيق مصالح المواطنين.
ومع ذلك، فإن ذكرى الثلاثين من يونيو تطرح اليوم سؤالًا مختلفًا عن ذلك الذي طُرح قبل سنوات.. فالمعركة الأساسية لم تعد مع تنظيم بعينه، بل مع الأفكار التي تسمح بإعادة إنتاج التطرف بأشكال جديدة، فالتنظيمات قد تتراجع أو تتفكك، لكن الأفكار المؤسِسة لها قد تبقى كامنة في بعض البيئات الاجتماعية والثقافية، قابلة للظهور في صيغ مختلفة كلما توافرت الظروف المناسبة.. ومن هنا، فإنّ التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من مرحلة المواجهة الأمنية والتنظيمية، إلى مرحلة أكثر عمقًا تتعلق بالمواجهة الفكرية والثقافية، ذلك أن تفكيك الأفكار المؤسسة للإخوان أو لغيرها من التنظيمات المتشددة، لا يتحقق عبر الإجراءات الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى مشروع طويل الأمد يقوم على تعزيز التعليم النقدي، وتجديد الخطاب الديني، وتوسيع المجال الثقافي، وترسيخ قيم المواطنة والدولة المدنية الحديثة.. فالأفكار التي تقوم على احتكار التفسير الديني، أو تقسيم المجتمع إلى فئات متنازعة، أو تقديم الولاء للتنظيم على حساب الولاء للوطن، لا يمكن مواجهتها إلا بأفكار بديلة أكثر قدرة على الإقناع والتأثير.
كما أن من أهم دروس الثلاثين من يونيو، أنّ الحفاظ على الدولة لا يقتصر على حماية حدودها ومؤسساتها، بل يشمل أيضًا حماية المجال العام من خطابات الكراهية والاستقطاب والتعبئة الأيديولوجية المغلقة.. فالتطرف لا يبدأ دائمًا بالسلاح، وإنما يبدأ غالبًا بفكرة تدَّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، ثم تتحول تدريجيًا إلى مشروع للإقصاء، قبل أن تجد بعض تجلياتها الأكثر عنفًا في التنظيمات الإرهابية.. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى مواصلة بناء ما يمكن وصفه بالمناعة الوطنية؛ أي القدرة المجتمعية على مقاومة الأفكار المتطرفة قبل أنّ تتحول إلى ظواهر سياسية أو أمنية، وهذه المناعة لا تُبنى فقط عبر المؤسسات الرسمّية، وإنما عبر المدرسة والجامعة والإعلام والثقافة والأسرة ومؤسسات المجتمع كافة.. فكلما اتسعت مساحة الوعي والمعرفة، ضاقت المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها الأفكار المتشددة.
وبعد ثلاثة عشر عامًا على ثورة الثلاثين من يونيو، يمكن القول، إن مصر نجحت إلى حد كبير في كسر مشروع سياسي وتنظيمي، كان يسعى إلى إعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة، كما نجحت في توجيه ضربات مؤثرة للتنظيمات الإرهابية التي حاولت استثمار حالة الاضطراب لتحقيق مكاسب على الأرض.. غير أنّ التحدي الأكثر أهمية اليوم لا يتعلق بما تحقق بالفعل، بل بما يجب استكماله.. فالمعركة ضد التطرف ليست حدثًا مؤقتًا، وإنما عملية مستمرة تتطلب يقظة دائمة، وقدرة متجددة على إنتاج الأفكار التي تُدعم الدولة الوطنية، وتُحصن المجتمع ضد محاولات الاختراق الأيديولوجي.. ولهذا، تبقى ذكرى الثلاثين من يونيو أكثر من مجرد استدعاء لحدث سياسي في الماضي؛ إنها مناسبة للتأمل في الدروس التي قدمتها تلك اللحظة التاريخية، وللتأكيد على أن حماية الدولة تبدأ من حماية الوعي، وأن الانتصار على التنظيمات لا يكتمل إلا بالانتصار على الأفكار التي منحتها القدرة على الاستمرار والتمدد، فالتاريخ يُثبت أن التنظيمات قد تسقط، أما الأفكار فلا تموت، إلا عندما يُفقدها المجتمع قدرتها على الإقناع والتأثير.
*
■■ والخلاصة..
إن مصر، وكما كانت دائمًا، تظل الحصن الأخير للدولة الوطنية في الوطن العربي، ورغم ما يحيط بها من أزمات وتحديات، تظل مركز الثقل الذي لا يمكن تجاوزه.. وفي قلب هذه التحديات، تقف المؤامرات التي تُحاك ضدها، ليس فقط من الخارج، بل من أولئك الذين يظنون أنهم قادرون على قلب المعادلة الداخلية من خلال إشعال الفوضى.. الإخوان، الذين يسعون دائمًا للعب على وتر الصراع الداخلي، ليسوا سوى أداة في يد من يتربصون بمصر ويعتبرونها العقبة الكبرى أمام مشاريع التفتيت والهيمنة.. لكن الحقيقة التي يجب أن نعيها، هي أن مصر التي قاومت عبر تاريخها جميع محاولات التفتيت، لن تكون إلا الجدار الذي يحمي المنطقة بأسرها.. ومع كل محاولة لتدمير هذا الصرح، تبقى مصر على قيد الحياة، تتنفس الصمود، وتظل صخرة قوية في وجه العواصف.. والحق، أن ما شهدته مصر بعد ثورة الثلاثين من يونيو، من حركة تنموية وعمرانية، خصوصًا فيما يتعلق بمشروعات البنية التحتية وإنشاء المدن الجديدة، ناتج عن تخطيط استراتيجي شامل، لتحقيق التنمية المستدامة في كافة أرجاء الوطن، وتنفيذ توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي لرؤية مصر ٢٠٣٠.
وبعد مرور سنوات طويلة على ثورة الثلاثين من يونيو، فإنها ما زالت تمثل محطة تاريخية فارقة في الوعي الوطني المصري.. فقد أثبت الشعب أنه قادر على حماية دولته عندما يشعر بالخطر، وأنه يمتلك من الوعي والإرادة ما يمكنه من تصحيح المسار في اللحظات الحاسمة.. لقد كانت هذه الثورة بحق، تعبيرًا عن إرادة شعبية واسعة سعت إلى استعادة الدولة الوطنية والحفاظ على مؤسساتها ومنع انزلاقها إلى مسارات مجهولة.. كما مثلت نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من البناء والتنمية والاستقرار.. ومع استمرار مشروعات التطوير والتحديث في مختلف القطاعات، تظل ثورة الثلاثين من يونيو علامة بارزة في تاريخ مصر الحديث، ونقطة تحول أساسية أسهمت في رسم ملامح الجمهورية الجديدة التي تسعى إلى تحقيق التنمية والاستقرار والازدهار للأجيال الحالية والقادمة.
وتبقى الدروس المستفادة من تلك المرحلة حاضرة في الذاكرة الوطنية، وفي مقدمتها، أهمية التمسك بوحدة الدولة ومؤسساتها، والحفاظ على الأمن القومي المصري، ودعم مسيرة التنمية والبناء.. لقد مثلت ثورة الثلاثين من يونيو إرادة الشعب المصري، في تقرير مصيره والحفاظ على وطنه وحضارته، وجمعت بين أطيافه على كلمة واحدة، وأصبحت عيدًا وطنيًّا وحكاية تاريخية تتوارثها الأجيال، وستظل هذه الذكرى الخالدة درسًا لكل من تسوّل له نفسه العمل على فرقة الشعب المصري أو الوقيعة بينه وبين مؤسساته، وصدق الله العظيم، إذ يقول في مُحكم التنزيل، ﴿فَأَمَّا ‌الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين